العودة من الشمال

شؤون دولية، 04-04-2013

هل خرجت روسيا غورباتشوف من جدنوب اليمن لتعود روسيا بوتين من شماله ؟

زيارة الرئيس اليمني عبد الله منصور هادي الى روسيا تكتسي بعدا ستراتيجيا خطيرا، فاليمن هي البوابة الجنوبية للجزيرة العربية. وفي هذه الجزيرة لا مجال لمنافسة دولية في وجه الولايات المتحدة الاميركية التي نشرت – بفضل الحرب العراققية الايرانية – قواعدها واساطيلها فيه وحولته الى مستعمرة لا يشاركها فيها الا قاعدة فرنسية في الامارات العربية االمتحدة التي كانت تعتمد ايام الشيخ زايد سياسة تقيم توازنا ولو ضعيفا مع الاميركيين.

في ايام الحرب الباردة كان اليمن الجنوبي هو قاعدة السوفييت الوحيدة في الجزيرة، ولكنها قاعدة خطيرة تطل فيما تطل على مضيق هرمز. واليوم ثمة عودة الى ما يشبه الحرب الباردة، ما يشبه، لان ثمة اختلافات جوهرية ما تزال قائمة : روسيا لم تبلغ بعد قوة الاتحاد السوفييتي وامبراطوريته الدولية، واوروبا لم تعد اثنتين، والعالم العربي لم يعد منقسما بين دول المواجهة ودول الاعتدال الملحقة بالاميركيين. لم يعد هناك ناصر ومصره المؤممة للقناة البناّءة للسد العالي والاصلاح الزراعي والمؤسسة لحركة عدم الانحياز. لم يعد هناك العراق وتاميمه للنفط واصراره على بناء حركة قومية نهضوية، لم يعد هناك سوريا التي تبني نفسها بصبر ومثابرة هادئة لتصل الى بناء اقتصاد بدون ديون ومجتمع بدون عقلية استهلاك وقدرة على دعم مقاومة تصيب اسرائيل بهزيميتن وتحرر لاول مرة بلدا عربيا من الاحتلال. بل اننا نشهد سوريا التي تهدم بيد شذاذ الافاق ومن التحق بهم من بنيها، محركين بحقد او بفهم قرسطوي للدين وفي كل الاحوال بمال خليجي لا يريد للعالم العربي الا ان يكون على صورته ومثاله – لا في الثراء وانما في التبعية والانقطاع عن الجذور.

لن ننكر اخطاء الانظمة التي اوصلتنا الى هذه الحال البائسة، ولكننا نعرف جيدا انه لو حكم الشيطان باسوا صوره واتبع النهج الاميركي الضامن لاسرائيل لما تعرض له احد ولما سمح لاحد بانتقاده ولصمت عنه الغرب المتافق ومد له السجادة الحمراء التي تقود الى توقيع شيكات وعقود.

اليوم تحاول روسيا بوتين ان تعود الى اليمن، والرئيس منصور هادي جنوبي، واليمن بحاجة الى ثلاثة امور اساسية :الاول هو الحفاظ على الوحدة اليمنية المهددة بالتفجر، الثاني  استعادة البناء الاقتصادي، بعد ان الغت اربعة عشر شركة اجنبية عقودها للتنقيب عن النفط واستخراجه من اليمن.الثالث  مكافحة الارهاب والتعاون العسكري.

وبقراءة متمعنة لاخبار الصحافة الروسية واليمنية والسعودية عن الزيارة، نتوصل الى الاستنتاجات التالية : حاولت الصحافة السعودية كالشرق الاوسط والحياة والتلفزيونات الملحقة حصر اهداف الزيارة بالتعاون العسكري، على اساس ان الجيش اليمني مسلح بسلاح سوفييتي وهو بحاجة لتجديده، لا غير.

فيما ركزت الصحافة الروسية على اعطاء الاولوية للبعد الاقتصادي، وذاك ما جاءت لتؤكده تصريحات المسؤولين اليمنيين من وزير الخارجية الذي قال بالحرف: ” هناك اهتمام متبادل بين روسيا واليمن لاننا ننظر الى روسيا مع النمو والتطور الاقتصادي الذي تعيشه كشريك مهم في البعد الاقتصادي بعد ان كانت في الماضي شريكا مهما في البعد العسكري ” الى حديث الرئيس اليمني نفسه لروسيا اليوم.حيث اكد على التنمية والاستثمارات والنفط والتبادل التجاري.

لا شك في ان البعد العسكري ما يزال موجودا، وستنتهي الزيارة بصفقات عسكرية جديدة وتسوية صفقات سابقة، لكن تعاونا اوسع سيعود الى الصورة، مرتبطا بالجيوبوليتيك  القائم على المصالح المتبادلة لا بالايديولوجيا، بدليل ان اول معاهدة روسية – يمنية عقدت قبل 85 عاما، اي في عهد الامامة قبل الثورة.

هو الجيوبوليتيك المحدد للمصالح يفرض نفسه دائما حتى ولو ارتدى احيانا رداء الدين واحيانا اخرى رداء المذهب او الاتنية او القومية، واحيانا ثالثة رداء الشيوعية التي طرحت نفسها بديلا عن الاثنين.

د.حياة الحويك عطية

إعلاميّة، كاتبة، باحثة، وأستاذة، بين الأردن ومختلف الدول العربية وبعض الأوروبية. خبيرة في جيوبوليتيك الإتصال الجماهيري، أستاذة جامعيّة وباحثة.

مواضيع مشابهة

تصنيفات

اقتصاد سياسي الربيع العربي السياسة العربية الأوروبية الشرق الأوسط العراق اللوبيهات المسألة الفلسطينية والصهيونية الميادين الهولوكوست ثقافة، فنون، فكر ومجتمع حوار الحضارات رحلات سوريا شؤون دولية شؤون عربية شخصيات صحيفة الخليج صحيفة الدستور صحيفة السبيل صحيفة الشروق صحيفة العرب اليوم في الإرهاب في الإعلام في رحيلهم كتب لبنان ليبيا مصر مطلبيات مقاومة التطبيع ميسلون