دفاعا عن اللغة

ثقافة، فنون، فكر ومجتمع، 06-06-2012

قبل أيام دعاني مركز البيرق في عمان للاطلاع على مشروع يعده للدفاع عن اللغة العربية. سلمني كراسا منظما مرتبا لكل ما يتعلق بالمشروع الذي قطع شوطا كبيرا في التنظيم والهيكلة الادارية، ووصل الى مرحلة الانطلاق للتحرك داخل المجتمع المحلي، مؤسسات وافرادا. مشروع ينطلق من دراسة تراجع استخدام اللغة العربية او استخدامها المشوه، الى محاولة بناء الوعي باهميتها وبناء رأي عام مدرك لاهمية التمسك بها. وذلك عبر دراسة المشكلات التي تواجهها والعمل على ايجاد حلول منها تطويع منجزات العصر العلمية وادواتها.

تذكرت حادثة تعود الى سنتين: كنت أقدم ورقتي في مؤتمر علمي لجامعة سوربون ابو ظبي، وكان استاذي الكبير جاك بارا يتابعني على سماعات الترجمة الفورية. خلال الاستراحة بادرني: افكارك اعرفها لكنني سعدت بتمكنك البارع من لغتك. دهشت وسألته: هل تعرف العربية؟ اجابني لا. لكن اللغة ليست مجرد الفاظ وكلام، اللغة هي نظام فكري معين، وبذا قال باسكال: وطني هو اللغة الفرنسية. لقد لاحظت ان نظامك الفكري يحمل خصوصية بنية عربية، حتى عندما تناقشين بطريقة ديكارتية، كما ان مواقفك الفكرية فيما طرحت لا يمكن ان تنفصل عن احترام عميق للذات لا ينفصل عن احترام اللغة القومية. ثم انه لا يمكن لمتحدث ان يمضي بثقة وتدفق وعفوية ان لم يكن ممسكا تماما بزمام اللغة، لان وضوح اللغة يأتي من وضوح الفكر والعكس بالعكس.

صادف انعقاد ذلك المؤتمر اعلان الامارات اللغة العربية لغة رسمية للبلاد ونقاش حول الدفاع عن الغة العربية. بعد سنة كنت أشارك في مؤتمر آخر، عن التنيمة – في قطر- استضاف في ختامه طالبتين حصلتا على المرتبة الاولى بين خريجي الجامعات لتلك السنة، وفوجئنا انهما لا تتمكنان من التعبير عن نفسيهما اطلاقا باللغة العربية، والمفاجاة الاكبر ان الاولى ابنة وزير والثانية ابنة رئيس تحرير مجلة وجهات نظر. قيل لنا انهما درستا في جامعة جورج تاون،لكن اين المراحل السابقة؟ اللغة لا تتشكل في الجامعة. بعد هدوء الغضب كانت جلسة ضمت الدكتور محمد المسفر والدكتور خير الدين حسيب، ونقاش حول كيفية الدفاع عن اللغة العربية.

لا بد من عمّان وان طال السفر، وانا امضيت ست عشرة سنة من عمري هنا ادرّس اللغة العربية… بل والاصح اعيش يوميا معركة اللغة العربية. ليس في التدريس فحسب، بل وفي دورات تدريبية طلب الي مرارا القيام بها لخريجي جامعاتنا ( خاصة خريجي الاعلام). كنت اشعر اننا مقبلون على كارثة تتعلق بالذات وبالهوية عبر تحطيم عمودها الفقري: اللغة.

غير ان الخطر يتنامى بشكل كبير، زملائي الذين تابعوا بعد توقفي يقولون لي كلما رأيتهم: ايامك كانت ايام سيبويه. تعالي الان وانظري الى مستوى اللغة، الى استباحتها بل واحتقارها. اصدقهم لانني ارى ذلك في كل مناحي حياتنا، في الشارع، في المطعم، في الاسواق بل وفي البيوت، في رسائل الهاتف المحمول ومثيلتها على الفيسبوك والتويتر، في الخطب الرنانة لخوائها، وفي الاحاديث التلفزيونية والاذاعية التي تحلو امامها الانكشارية، في يافطات، بلغات اخرى او بعربية يحلو معها الاجنبي، كان منها واحدة في مطار عمان قبل سنتين ( كتبنا عنها وصححت): مدخل القادمون. بل ان منها محلين اختارا لبيع الكرشات والكوارع اسما امريكيا تتخيله لفرقة جاز او يحيلك الى اسم مطعم امريكي للمأكولات السريعة. نكاية بنا الذين لا يزالون يحبون الاكل البلدي؟ ام نكاية بالعمال المساكين الذين يمضون – ولا شك وقتا طويلا في طهي اصعب الاطباق البلدية، بما لا يقارن باعداد رغيف همبرغر؟

ماذا اصابنا؟ الخليج وله آسياويوه وغربيوه، يضيع بينهم عربه لتصل نسبتهم 15% او حتى 5%، وله انه بمعظمه لم يخرج من عباءة المحميات الانجليزية. والمغرب وله تاريخه الذي يجاهد ليخرج منه ايضا. نحن في الشام ومصر، لم نعش تحت الاستعمار الاوروبي الا حوالي عشرين سنة، لا تكفي لتغيير خطوط وجه فرد، فلماذا غيرنا وجهنا الجمعي؟ الاننا ما زلنا في دائرة التبعية وسيكولوجية المستعمر؟ ام لانها سيكولوجية الغالب والمغلوب بحسب ابن خلدون؟

ايا تكن الاجابات، فانها تضع النضال لاجل حماية اللغة في مقدمة عملية النضال لاجل التحرر الوطني، لاجل البقاء على خريطة الحضارة الانسانية، بل لاجل البقاء بحد ذاته.

مبادرة مركز البيرق مشجعة بمن تضمهم من اسماء كبيرة، وبما تؤسس له من اهداف واعية وواضحة، لكن السؤال يظل: هل تستطيع مؤسسة واحة التصدي لهذه المهمة الصعبة؟ الا يستحق الامر حملة وطنية تشارك فيها اكثر من مؤسسة عامة وخاصة، وربما بالتعاون مع هذه المبادرة الاولى؟

د.حياة الحويك عطية

إعلاميّة، كاتبة، باحثة، وأستاذة، بين الأردن ومختلف الدول العربية وبعض الأوروبية. خبيرة في جيوبوليتيك الإتصال الجماهيري، أستاذة جامعيّة وباحثة.

مواضيع مشابهة

تصنيفات

اقتصاد سياسي الربيع العربي السياسة العربية الأوروبية الشرق الأوسط العراق اللوبيهات المسألة الفلسطينية والصهيونية الميادين الهولوكوست ثقافة، فنون، فكر ومجتمع حوار الحضارات رحلات سوريا شؤون دولية شؤون عربية شخصيات صحيفة الخليج صحيفة الدستور صحيفة السبيل صحيفة الشروق صحيفة العرب اليوم في الإرهاب في الإعلام في رحيلهم كتب لبنان ليبيا مصر مطلبيات مقاومة التطبيع ميسلون