الصواريخ العبثية والمجزرة غير العبثية!!

صحيفة السبيل، 03-03-2008

ليس الجنون ما يحدث في غزة، او بالاحرى انه ليس جنونا مفاجئا، فمنذ سنوات طويلة، وكي لانعود الى ماقبل اوسلو، نقول منذ التسعينات وبنيامين نتنياهو يكتب باسم اليمين انه لا بد من التخلص من لعبة السلام بحشر المقاومة في غزة والقضاء عليها هناك، ومثله يهودا باراك باسم اليسار يدعو الى نظريته المعروفة بالعمل خلف خطوط العدو حتى انهاكه ثم القضاء عليه. وان كان المتلقي العادي يجد المفاجاة في الوحشية والتنكر لاية انسانية في استهداف المدنيين والاطفال والنساء، فان ذلك لا يبدو مفاجئا عندما نعود الى قاعدتين بسيطتين: الاولى  ان كل حي يدب على الارض الفسطينية هو عدو يحل التخلص منه بالنسبة للفكر اليهودي، وان اسرائيل لم تكن يوما غير ذلك في حروبها، والثانية ان هدف كسر المعنويات انما يقتضي هذه الوحشية عندما تكون المواجهة مع قوى تحرير شعبية لا مع جيش نظامي. اما  المتلقي السياسي  فيعرف ان الحقد والغيظ اللذين تختزنهما اسرائيل من هزيمتيها المتتاليتين في لبنان، خاصة  في عدوان تموز الاخير، وحاجتها الى اعادة الاعتبار عبر الانتقام يفرضان بالمنطق اليهودي الصهيوني جريمة ضخمة  بحجم  الخيبة السابقة   وبالغة البشاعة  بحجم الحقد.

غير ان المفاجاة تبقى قائمة ولكن في مكان اخر تماما: في الجانب الفلسطيني والعربي، فلا تكاد الاذن تصدق رجلا يسمي نفسه وزير الخارجية الفلسطينية ويقف امام الكاميرات ليحمل المسؤولية لصواريخ حماس. فهل استبدل رياض المالكي ومن هم مثله دمهم بماء؟ وكيف لا تطلب اليه الاستقالة فور هذا التصريح، بصرف النظر عن تقييم رايه ومبرراته؟ وكيف تعرف خيانة الشعب والوطن عندما نعطي التبرير لعدو  يذبحه؟

لقد سمعنا من قبل رفضا لاطلاق الصواريخ من غزة، وعلى لسان محمود عباس نفسه، ولكن ذلك كان قابلا للتصنيف ضمن قائمة الخلاف على الوسائل، اما الان فقد اتضح ان الذين كانوا يقولون انه ليس  كذلك وانما هو من باب التمهيد واعطاء التبرير للضربة الاسرائيلية،  كانوا على حق تماما، وان الاسرائيلي قد شحذ سكينه  على لسان اعضاء حكومة السلطة في رام الله لذبح اهل غزة!

اما في الصف العربي فاي خرس اصاب الانظمة والحكومات؟ ومن الذي وزع عليها المراييل البيضاء وكان كل المهنيين قد استقالوا من هذا العالم العربي الشاسع الا الممرضين؟

مرة، وفي وقفة لن ينساها تاريخ الانحطاط والجريمة في هذه الامة ادى بنا الحقد بين عرفات وحافظ الاسد الى خسارة الفرصة التاريخية الاهم لمنظمة التحرير الفلسطينية وللبنان ومن وراءهما للمشروع العربي كله. ومرة مماثلة ولكن اكثر خطورة، ادت بنا الاحقاد القائمة بين البعث السوري والبعث العراقي، او بالاحرى بين حافظ الاسد وصدام حسين الى خسارة مشروع النهضة العربية الاكبر، واعادة الامة الى نير الاحتلال، المقنع منه والمباشر، واعادتنا حضاريا الى ما قبل العصر الصناعي، بل ما قبل المجتمع والدولة. واليوم يؤدي بنا الخلاف بين فتح وحماس الى الاجهاز على القضية الفلسطينية وكل ما حققته من مكاسب في تاريخ نضالها الطويل.

ومن يدري فقد تكون هذه اولى ثمار توصيات فينوغراد، التي ستليها ثمار كثيرة تسقط في لبنان او في سوريا ومن ثم تعم الساحات كلها!!!

د.حياة الحويك عطية

إعلاميّة، كاتبة، باحثة، وأستاذة، بين الأردن ومختلف الدول العربية وبعض الأوروبية. خبيرة في جيوبوليتيك الإتصال الجماهيري، أستاذة جامعيّة وباحثة.

مواضيع مشابهة

تصنيفات

اقتصاد سياسي الربيع العربي السياسة العربية الأوروبية الشرق الأوسط العراق اللوبيهات المسألة الفلسطينية والصهيونية الميادين الهولوكوست ثقافة، فنون، فكر ومجتمع حوار الحضارات رحلات سوريا شؤون دولية شؤون عربية شخصيات صحيفة الخليج صحيفة الدستور صحيفة السبيل صحيفة الشروق صحيفة العرب اليوم في الإرهاب في الإعلام في رحيلهم كتب لبنان ليبيا مصر مطلبيات مقاومة التطبيع ميسلون