فلسطين في باريس!

غير مصنف، 23-06-2005

كانت هناك، حاضرة على الرفوف وفي الضمائر وكانوا كثرا، يلتفون حولها… كم استطاعت هذه الفلسطين ان تحرك من ابداع وان تحول ورقاً ابيض الى نبض حي ناطق لا يواجه خطر الموت.

لكن معرض الكتاب العربي – الاوروبي، الذي جعل معهد العالم العربي من فلسطين محوره لهذا العام، كان ملفوفاً بوشاح واسع من الألم.

»اوضاعنا صعبة في الداخل«. كانت الجملة الاولى التي بادرني بها يحيى يخلف وهو يصافحني، لكأنه وبردة فعل لا شعورية يقيم المقارنة بين هذا الجو الاحتفالي البهيج هنا، وبين واقع الناس على الارض هناك.

ذاك الهناك، يتبدى على الوجوه هنا، وجوه هي – حول فلسطين – كما كانت دائماً، وجوه العرب من كل مكان… ومن كل مكان في تلك الرقعة العربية المأساوية، تسقط على هذه الوجوه او شحة الم يبلغ حد الضياع، لا ينفع في تلطيفه فرح اللقاء بين من تجمعهم رفقة الثقافة وتفرقهم ظروف الحياة.

وحدة الثقافة العربية، التي استطاعت وحدها، ان تستعصي على تجزئة بدأت بالسياسي لتطال كل شيء؟

شعلة نار مجوسية، ربما تستطيع ان تحفظ امل نهوض لأجيال قادمة؟

ام امر آخر اضافي هنا، هو مسافة ما، آخذة في التمدد بين فلسطين تتشكل فكرة تجريدية بعيداً عن الارض، وفلسطين تتشكل واقعاً ملموساً عليها؟!

نريد الحفاظ على فلسطين الفكرة، لكننا لا نريد ابداً ان تتحول فلسطين الى فكرة. لا نريدها ارضاً موعودة، وحلماً يجد غذاءه المستمر في الخيال، ولا نريد تبادل ادوار تجعل منا يهود العصر.

نريدها – كما توهجت مع توهج ثورتها – انتماء قائماً في جوهر عشق المبدع للحرية والتحرر، والتزام المثقف بقضايا الحق والعدالة. لكننا لا نريد، من جهة اخرى، ان تصبح الكلمة التي لا تكلف خطراً، والاحتفالية التي لا تجاور معاناة، بديلاً تطهرياً من واجب.

حضورهم، المبدعون القادمون من حضن فلسطين الواقع والارض والمعاناة اليومية، هو ما يمنح هذه التظاهرة طعم الحقيقة.

يحيى يخلف الروائي وسميح القاسم الشاعر المتوكىء على عصاه، وامرأة اصرت على ان تعطيني مقعدها مقدمة نفسها: اعرفك، لأننا نراك هناك.. في رام الله! كانت لهم رائحة الارض! تركوا لنا التذكار، فهم في حلٍ منه، وجاؤوا بأهداب لا تحمل فقط عشب الجليل، بل قطرات دموع امهات الشهداء والسجناء واصحاب الزيتون الذي اقتلع (بالاذن من محمود درويش).

معهم وحولهم: باتريك لاما واوبرا اساطير كنعان، وشعراء وكتّاب وصحافيون ينتقلون من حديث العراق، الى حديث جورج حاوي، الى الخوف القادم على سوريا ولبنان، الى قضايا الترجمة والابداع، الى كلمة المدير الجديد لمعهد العالم العربي، تذكر بالراحل الحاضر ياسر عرفات.

كم من شهيد!.. وكم من انفاس ذابت في حبر احتل ورقاً يجمعنا الليلة في باريس، حول – امرأة لم يجمع العرب شيء الاها.