المسموح به!

صحيفة الدستور، 01-01-2004

قهوة الصباح، لاترشف على ايقاع فيروز، ولا على دردشة حميمة تستهل نهارا مشحونا بالسعي، لانها باتت محكومة بنشرة اخبار هي اخر ما تختم به يومك قبل النوم واول ما تستعجل المبادرة اليه عند الاستيقاظ، لكأنك تخاف ان يكون الليل قد شهد احداثا مصيرية تجيب على مخاوف او تلبي امال وتطلعات لم تهدأ حتى خلال الغفوة.

قهوة الصباح هذا اليوم، ترشفها على ايقاع تفجيرين كبيرين، من بعقوبة الى حاجز ايريتز، وانت على عكس كل مواطني الكرة الارضية وربما على عكس الطبيعة، محكوم بان تفرح للموت، لا لانك اقل انسانية واقل حبا للحياة، بل على العكس تماما لانك مصمم على الحياة متعلق بها حد الموت لاجلها، تعلق ينبع من احساسك الطبيعي بانها وقفة عز، وان طعمها يفسد ويسمم بدون الحرية والكرامة، كما ينبع من استذكارك لعبارة كان الجيش الجمهوري الايرلندي يحفرها على قبور شهدائه: »هل هناك حياة قبل الموت ؟«.

سؤال يلخص كل المسألة ويلخص الحالة الانسانية التي انت جزء منها.

لو كانت الحياة المتوفرة لشعبك قبل الموت حياة لما كان فيه من يتقدم للموت ولما كان لك انت الانسان ان تفرح لموت. ولكن ….

لكن شعبك محكوم بان ينقسم الى شريحتين: انصار الموت لاجل الحياة، وانصار الحياة لاجل الموت، هؤلاء الذين لا يصدقون انهم احياء وارييل شارون يعلن في يوم واحد انه لن يعيد الجولان وانه سيباشر بناء جدار فصل القدس عن ابو ديس، وفي اليوم نفسه يعلن جورج بوش انه »سيسمح للشركات الكندية بالمشاركة بعقود فرعية في العراق الصفعة الكبرى هي في هذه الصفعة المتمثلة بكلمة واحدة« يسمح »والنكتة المقابلة تكمن في اسم« مجلس الحكم« واستمرار الحديث عن »نقل السيادة« ثلاثة تعابير لو اخضعت للتحليل الالسني لاختصرت كل المسالة، فالذي يسمح هو الذي يملك السلطة والسيادة، والمسموح له هو التابع او المستعبد او الخاضع، والمؤلم هنا ان العراقيين ليسوا احدا من الطرفين، بل هم في مرتبة اقل من المسموح له هذا، انهم المسموح به، فكيف لايطلب من فيه ذرة كرامة منهم الموت؟ او بعيدا عن اي تأييد او كراهية لصدام حسين ونظامه؟

كيف يمكن ان يخدعوا بان هذا المجلس الذي يعني اسمه انه مجلس بول بريمر وكفى، يمكن ان يمثلهم وان يركنوا اليه ؟ بريمر هو الذي يحمل لقب الحاكم والمجلس مجلس الحكم اي مجلسه، والرئيس: »رئيس المجلس« وبوش هو الذي يسمح بطريقة توزيع ثروات العراق وعلى من.

هذا في حين يعلن شارون نواياه وينفذها.

ولا تجد انت شيئا يشعرك بانك حي، او مستحق للحياة الا خبرا يقول ان الادارة الاميركية منقسمة حول مواجهة ضغط المقاومة المتنامي في العراق، والذي توصل الى ان يسقط في اسبوع واحد عددا من الطائرات يفوق ما اسقط في الحرب النظامية كلها، متجاوزا بقوة خسائر فييتنام او دراسة اخرى تدلل على حجم الازمة التي تعيشها اسرائيل بفعل استمرار الانتفاضة.

فكيف لا نصحو كل يوم على اخبار الانفجارات؟

كيف لانصبح بشرا يفرحون للموت؟

وهل هناك حياة اخرى لنا قبل الموت؟

د.حياة الحويك عطية

إعلاميّة، كاتبة، باحثة، وأستاذة، بين الأردن ومختلف الدول العربية وبعض الأوروبية. خبيرة في جيوبوليتيك الإتصال الجماهيري، أستاذة جامعيّة وباحثة.

مواضيع مشابهة

تصنيفات

اقتصاد سياسي الربيع العربي السياسة العربية الأوروبية الشرق الأوسط العراق اللوبيهات المسألة الفلسطينية والصهيونية الميادين الهولوكوست ثقافة، فنون، فكر ومجتمع حوار الحضارات رحلات سوريا شؤون دولية شؤون عربية شخصيات صحيفة الخليج صحيفة الدستور صحيفة السبيل صحيفة الشروق صحيفة العرب اليوم في الإرهاب في الإعلام في رحيلهم كتب لبنان ليبيا مصر مطلبيات مقاومة التطبيع ميسلون