ابعد من ردات الفعل!!

صحيفة الدستور، 01-01-2004

ليست المشكلة في ان يشتمنا الاخر، وليس المهم ان نثور ونهب للرد عليه في اعلامنا ومجالسنا، اذ ربما كان المراد من الشتم نفسه ان تثار لدينا ردة الفعل هذه، فهؤلاء الستراتيجيون لا يقولون كلمة واحدة اعتباطا او نزقا، ولا يرتجلون خططهم على مدى قصير او حتى متوسط.

عندما استقال ريتشارد بيرل من البنتاغون بعد العدوان على العراق، كان واضحا انه انسحاب تكتيكي يهيىء لجولة جديدة، فالرجل الذي كان مستشارا لنتنياهو في النصف الثاني من التسعينات، حيث اشرف على لجنة وضعت خطة التعامل مع الشأن العراقي وعرفت باسمه، انتقل الى البنتاغون للاشراف على تنفيذ خطته التي كانت تنص على كل ما حدث، اضافة الى بنود ما تزال قيد التطبيق من مثل ما يتعلق بتوطين اللاجئين الفلسطينيين بعد العراق.

واذا كانت خطة بيرل هذه قد تناولت العراق فانها ليست اكثر من تفصيل للخطة الاكبر التي عبر عنها نتنياهو في كتابه »استئصال الارهاب« الصادر عام ،1995 ثم عاد وكررها في خطابه امام الكونغرس بعد احداث 11 ايلول. وهي تشمل العراق وايران والسعودية ومصر وسائر دول المنطقة.

سقوط العراق، ادى الى نجاح الاحتواء المزدوج بالنسبة لايران، اذ دجنها الانهيار العراقي، وجعلها تقبل صفقة مع الولايات المتحدة يتم اخراج بنودها الى العلن بروية وهدوء.

والان، يبدو ان بيرل استكمل استعداداته لاستئناف الحرب، بدخول المعركة الجديدة ضد مصر والسعودية، فعاد المخطط المستقيل الى الواجهة وعلى كتفه متشدد اخر هو ديفيد فروم، متحدثين باسم معهد دراسات يمثل المحافظين الجدد في الولايات المتحدة، شاتمين العرب جملة وتفصيلا، ولكن ليكون ذلك موزعا على خطين: الاول اطلاق انبوب اختبار لمدى ردات الفعل وطبيعتها، والثاني تهيئة الجو لما سيأتي بالنسبة لمصر والسعودية وسوريا، وربما لم يكن ذكر ليبيا الا من باب التغطية المزدوجة: تغطية الخطاب الاميركي بحجة انه يشمل الجميع وتغطية الحكم الليبي بعد ما لاندريه من صفقات.

وليس من قبيل الصدفة ان تتزامن تصريحات بيرل وفروم مع مقال هنا واخر هناك يصب في ذات السياق في الصحافة الغربية.

كما انه ليس من قبيل الصدفة ان يقوم الاعلام الغربي ومن ورائه العربي بتسويق هذه التصريحات، تسويقا محموما مبالغا فيه، اذ ان ذلك هو استكمال الخطة.

الاخطر من ذلك ان ذلك التسويق لا يترافق مع اية محاولة توعية، سواء سياسية ام حضارية يمكن ان تفشل القصد الاميركي الصهيوني منه، ولكن ما هو جيد ان اول ردات الفعل الصادرة عن الشارع المصري عبرت عن وعي جيد، ورفض لكلمة حق اريد بها باطل خطير.ولكن هل ذلك يكفي؟

لقد قاس الطبيب الشرير الحرارة، وهو يقوم بتحليلاته المخبرية، ليعرف الطريقة المثلى للاذى.

د.حياة الحويك عطية

إعلاميّة، كاتبة، باحثة، وأستاذة، بين الأردن ومختلف الدول العربية وبعض الأوروبية. خبيرة في جيوبوليتيك الإتصال الجماهيري، أستاذة جامعيّة وباحثة.

مواضيع مشابهة

تصنيفات

اقتصاد سياسي الربيع العربي السياسة العربية الأوروبية الشرق الأوسط العراق اللوبيهات المسألة الفلسطينية والصهيونية الميادين الهولوكوست ثقافة، فنون، فكر ومجتمع حوار الحضارات رحلات سوريا شؤون دولية شؤون عربية شخصيات صحيفة الخليج صحيفة الدستور صحيفة السبيل صحيفة الشروق صحيفة العرب اليوم في الإرهاب في الإعلام في رحيلهم كتب لبنان ليبيا مصر مطلبيات مقاومة التطبيع ميسلون