ذاكرة الرجال

صحيفة الدستور، 11-11-2003

اليوم، الساعة الحادية عشرة تماما، سينحني جاك شيراك امام تمثال الجندي المجهول، في ذكرى انهاء الحرب العالمية الثانية.

اليوم بعد الظهر سيراس وزير قدماء المحاربين احتفالا يحضره ستة وثلاثون جنديا سابقا ما زالوا على قيد الحياة من جنود هذه الحرب.

واليوم يفتتح على الانترنت موقع يحمل عنوان: »ذاكرة الرجال« يسجل للاجيال ما تحمله ذاكرة الذين قاتلوا يوما لاجل فرنسا في هذه الحرب الكبرى ويتوقع ان ينضم اليه مستقبلا سائر من خاضوا لاجلها معارك اخرى.

جميل ان تحافظ الامم على ذاكرتها، والاجمل هذا البعد الرمزي في اطلاق اسم الرجال بدون اضافة على هؤلاء.

اين ذاكرة رجالنا؟

الرجال الرجال، الذين لم يتوقفوا يوما عن القتال منذ ما قبل الحرب العالمية الاولى؟

منذ مشانق ساحتي الشهداء في دمشق وبيروت، والى تحول جميع ساحات الوطن الكبير الى مشانق، منذ سم الكواكبي والى السم الرهيب الذي يسري انطلاقا من فلسطين في كل شرايين وجودنا.

اين ذاكرة الحرب العالمية الاولى لنا نحن ولامتنا؟ تلك الذاكرة التي تقول لنا انحناءة الرئيس الفرنسي على قبر جنود بلاده اليوم ان علينا ان نتذكر انحناءة وزير خارجيتها جورج بيكو وزميله الفرنسي مارك سايكس على جسد امتنا لتقطيعه وتقاسمه؟

تذكر لا يعني تغذية العداء لفرنسا اليوم بل يعني التجرؤ على التصدي لمحو تلك التركة المرة، بعدم التورط اكثر في التجزئة، بالانتصار على اثارها، بعدم تحويلها الى واقع نهائي. ولننظر في ذلك الى الجرأة التاريخية الكبرى التي تمتع بها شارل ديغول وهيلموت كول، وتابعها بفعالية اكبر جاك شيراك وغيرهارد شرودر، فحولت فرنسا والمانيا من عدوتين تسببان دمار اوروبا وضعفها الى حليفين يضعان معا لبنات قوتها. اوليس في اقدار امتنا ان يقيض لها قيادات تملك الحلم والجراة على الانتصار على التجزئة والضعف وسلوك طريق القوة، ونحن لسنا امتين منفصلتين كما المانيا وفرنسا، وليست بيننا حروب وموت ودم كما بينهما؟

بل لماذا، وعندما توفرت اصوات حملت هذه الاحلام وهذه الجرأة، كنا اول من يتآمر مع الاجنبي على القضاء عليها؟

اين يكمن الخلل، واين تكمن المسؤولية؟

اسألة لا بد للاجابة عليها من العودة الى »ذاكرة الرجال«، عودة لا حدود لفوائدها ومقتضياتها، ففيها الوفاء لهؤلاء، وفيها الوفاء لتاريخ الامة، وفيها مصدر الشحن الاساسي لطاقات اجيالها، والضمان المعنوي لبقائها، وفيها القراءة المراجعة لمسيرتها فيما يمكن ان يشكل تبين مكامن النجاح ومكامن الفشل وامكانيات النهوض.

د.حياة الحويك عطية

إعلاميّة، كاتبة، باحثة، وأستاذة، بين الأردن ومختلف الدول العربية وبعض الأوروبية. خبيرة في جيوبوليتيك الإتصال الجماهيري، أستاذة جامعيّة وباحثة.

مواضيع مشابهة

تصنيفات

اقتصاد سياسي الربيع العربي السياسة العربية الأوروبية الشرق الأوسط العراق اللوبيهات المسألة الفلسطينية والصهيونية الميادين الهولوكوست ثقافة، فنون، فكر ومجتمع حوار الحضارات رحلات سوريا شؤون دولية شؤون عربية شخصيات صحيفة الخليج صحيفة الدستور صحيفة السبيل صحيفة الشروق صحيفة العرب اليوم في الإرهاب في الإعلام في رحيلهم كتب لبنان ليبيا مصر مطلبيات مقاومة التطبيع ميسلون