خيار الانحياز!

صحيفة الدستور، 07-07-2003

»يمكننا ان نتحمل ونقبل باصابة واحدة مقابل كل دائرة من دوائر الكونغرس الانتخابية… وربما يكون اقصى ما نتحمله عشر اصابات قبل ان يقطع الكونغرس تمويل الحرب«.

كانت هذه العبارة الواردة على لسان احد اعضاء الكونغرس الاميركي واحدة من اول اجراس الانذار المتعلقة بحرب فيتنام، حيث انه قالها في بداية السبعينات وفعلاً قام الكونغرس بذلك عام 1975 واضعاً حداً لواحدة من اقذر واعنف حروب القرن العشرين.

عوامل كثيرة ادت الى ان يكون المشهد الاخير مغادرة الاميركيين والمتعاونين معهم على طائرة اقلعت من على سطح السفارة الاميركية في سايغون. ولكن في مقدمتها حدثين أساسيين: الحادث الشهير المعروف بحادث »خليج تونكن« والثاني هو عقد لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ جلسات تحقيق بشأن الحرب، والحادث المذكور تحديداً.

ذاك ان جلسات التحقيق تلك قد اعطت المجال للعائدين من فيتنام للادلاء بشهاداتهم، ومن ثم تحركت وسائل الاعلام، لتتحول معارضة الحرب من نشاط سلمي يمارسه الشباب الصغار والهيبيون طويلو الشعر، الى تيار سياسي احتجاجي ذي وزن في المجتمع وخاصة في الانتخابات.

اما حادث خليج تونكن فهو في الواقع حادثان، تعرضت فيهما مدمرة اميركية لهجمات الثوار الفيتناميين وعلى اثر ذلك صرحت الادارة بأن مدمرتها كانت تقوم بمهمة روتينية سلمية وان الثوار اعتدوا عليها.

وبناءً عليه امر الرئيس جونسون بحملة الغارات الجوية المدمرة على فيتنام الشمالية. ليتبين فيما بعد أن الحقيقة هي أن المدمرة كانت تقوم بعملية تجسسية خطرة ومؤذية وعسكرية.

كل ذلك يشكل عنصرين اساسيين للمقارنة بين ما يحصل في العراق وما حصل في فيتنام، والاهم ان الصحافة الامريكية نفسها باتت تطرح هذه المقارنة مثيرة وجه الشبه بين كذب ادارة الرئيس جونسون بخصوص خليج تونكن وكذب ادارة بوش بخصوص اسلحة الدمار الشامل العراقية، من جهة، ووجه الشبه بين تنامي معارضة الحرب على العراق، مع تنامي الاصابات في صفوف الجنود الاميركيين وانتشار شهادات العائدين من هؤلاء في الولايات المتحدة نفسها. وامكانية وصول الكونغرس الى فتح تحقيق.

ولكن ثمة من يرد هذه المقارنة بالقول ان ما يحرك المعارضة الاميركية اليوم انما هو مجرد اعتبارات انتخابية يريد فيها الديمقراطيون قطع طريق البيت الابيض على الجمهوريين الذين لم يصلوه الا بمسرحية غير ديمقراطية وربما هزلية. ولذلك يضطر بعض الطامحين من الجمهوريين انفسهم الى مجاراتهم.

والواقع ان هذه الاعتبارات نفسها هي التي لعبت دوراً اساسياً عام 1975 وحتى الآن ما يزال »المصدر المجهول« الذي اعطى مجلس الشيوخ المعلومات حول حقيقة حادث تونكن مجهولاً.

أما الرد الثاني فهو أن التوازنات الدولية التي كانت قائمة في السبعينات لم تعد قائمة الآن، في اشارة واضحة الى دعم الاتحاد السوفييتي.

والواقع أيضاً ان النظرة الموضوعية الى الحراك الدولي تقول بأن هناك الآن اكثر من طرف دولي له مصلحة في زعزعة وضع الاميركيين في العراق، وان كان دعمهم للمقاومة يتوقف على اثباتها لوجودها على الارض.

بدءاً من الصين التي كانت الداعم الاساسي للثوار الفيتناميين الى عديدين آخرين في اسيا، وانتقالاً الى اوروبا التي يشن عليها الاميركيون الآن حرباً شعواء نموذجها ما كتبته مجلة الجمهورية الجديدة الواسعة الانتشار في واشنطن في عددها الاخير محذرة اميركا النائمة عن الخطر الاوروبي الزاحف عبر الوحدة وعملتها اليورو، بل ومتجاوزة الى القول انه ربما يكون وقت اليقظة قد فات، لأن الكوكب الجرماني – الفرنسي اصبح يستقطب الجميع. خاصة اذا ما تم بناء اوروبا وفق الرؤية الجيسكارديستانية.

وأخيراً، العرب الذين سيتنامى مع تنامي المقاومة الشرخ بين شارعهم واكثر حكوماتهم واصحاب المنافع من الملتفين أما حول الحكومات واما حول حبل يربطهم بالممول او الشريك الاجنبي.

اما الرد الثالث، والاعمق فهو ان الرهان اليهودي الصهيوني لم يكن مطروحاً بهذه الحدة في حرب فيتنام، كما أن نفوذ اللوبي اليهودي في الغرب، وهيمنة اسرائيل في المنطقة لم يكونا بحجم ما هما عليه اليوم.

غير ان حقيقة الحيز الكبير الذي يحتله دور اسرائيل واللوبي اليهودي المؤيد لها يجب أن تؤدي بنا الى امرين:

الاول ان الاعلام الصهيوني والمتصهين يعملان بجهد حثيث على تهويل هذا الدور وتصويره كأنه قدر لا راد له. والأمر في الواقع صراع قائم بينه وبين قوى اخرى موجودة وفاعلة في العالم، وعلينا نحن أن نختار لمن ننحاز.

والثاني ان هذه الحقيقة تؤكد أن كل صراع يقوم على الارض العربية من لبنان الى مصر الى السودان الى الخليج الى العراق انما هو في جزء كبير منه صراع بين مشروع وجودنا والمشروع الصهيوني وهنا لا خيار لنا في الانحياز.

د.حياة الحويك عطية

إعلاميّة، كاتبة، باحثة، وأستاذة، بين الأردن ومختلف الدول العربية وبعض الأوروبية. خبيرة في جيوبوليتيك الإتصال الجماهيري، أستاذة جامعيّة وباحثة.

مواضيع مشابهة

تصنيفات

اقتصاد سياسي الربيع العربي السياسة العربية الأوروبية الشرق الأوسط العراق اللوبيهات المسألة الفلسطينية والصهيونية الميادين الهولوكوست ثقافة، فنون، فكر ومجتمع حوار الحضارات رحلات سوريا شؤون دولية شؤون عربية شخصيات صحيفة الخليج صحيفة الدستور صحيفة السبيل صحيفة الشروق صحيفة العرب اليوم في الإرهاب في الإعلام في رحيلهم كتب لبنان ليبيا مصر مطلبيات مقاومة التطبيع ميسلون