نحن والصين!

شؤون دولية، 05-05-2001

نعم للغلاسنوت، لا للبروسترويكا. هكذا لخص احد المحللين السياسيين الغربيين الموقف الذي تتبناه سوريا في العهد الجديد.

واذا كان المقربون من الرئيس الراحل يعرفون انه كان ينتقد بحدة »جنون غورباتشوف« الذي ادى الى انهيار الاتحاد السوفياتي، فان المراقبين يعرفون ان الادارة الحالية تفضل النموذج الصيني، اي الانفتاح الاقتصادي التدريجي، وتأجيل الانفتاح السياسي، او بالاحرى تنفيذه بهدوء اكثر وحذر اكبر.

والواقع ان الامور تحتاج الى هذا الهدوء والحذر، اذ لا يمكن ان يرفع الغطاء مرة واحدة عن طنجرة الضغط، لانها ستنفجر بشكل مدمر وعشوائي خطير.

لا بد من نزع صمام البخار اولا، وترك هذا الاخير يأخذ وقته، كي نصل الى الانفتاح دون ان نخسر ما في الداخل.

ونزع الصمام هنا، يعني تحسين الاوضاع الاقتصادية وفتح النوافد المعرفية الحديثة وتمرير الانفتاحات السياسية تدريجيا، كي لا يقع الجميع في مطب رمي الطفل مع ماء حمامه.

والطفل هنا مكاسب هامة حققتها سوريا لنفسها، ولموقعها القومي، من الاستقلالية السياسية الى الانتاجية الزراعية والصناعية، الى ضبط انماط الاستهلاك، فلعلها البلد العربي الوحيد الذي يأكل ويلبس مما يزرع وينسج.

غير ان الجانب الاهم هو حفاظها على ثوابتها في المواجهة التفاوضية مع الكيان الصهيوني.

واذا كان لا يمكن لقومي ان يغفر موقف حفر الباطن، فان الانفتاح العاقل على العراق، الذي يتم بشكل مدروس وتدريجي، مع المحافظة على علاقات جيدة مع ايران، ومع سائر الدول العربية، يأتي ليعزز الموقف السوري الذي تحميه الآن الانتفاضة الفلسطينية من استحقاقات سريعة.

كذلك فان التوجه نحو الصين، وذاك ما يفعله العراق ايضا، يكرس وتجها اسيويا، ربما يكون في المدى المستقبلي، الكيل الذي يعدل الميزان الدولي مقابل الغرب والولايات المتحدة بالذات.

فعندما كان كولن باول يقول عام 1990 »ان سيطرتنا على الخليج العربي هي حاجة ضرورية في مواجهتنا الاستراتيجية المقبلة مع آسيا وخاصة الصين« كان يعرف ان هذه المواجهة قادمة، ولكنه لم يكن يعلم ان اولى ازماتها المعلنة ستكون اولى ازماته عندما يخلع البذلة العسكرية ليرتدي بذلة وزير الخارجية.

الزعماء الآخرون في هذا العالم مدركون كلهم لهذا الموران الديبلوماسي. لرمال التحالفات المتغيرة، ولذلك نجد كاسترو في ايران وآسيا، ونجد العراق في الصين والصين في كوبا، ودمشق وبغداد في روسيا الخ..

انها محاولات بناء تشكيل يخفف من استفراد القوة الاحادية بالقرار الدولي، محاولة لجعل الدولة العظمى التي تدعي انها ام الحريات وتدين الدول التي لا تقبل بالتعددية الداخلية، تتخلى عن حكمها الشمولي الاحادي الرافض لكل تعددية داخل المجموعة الدولية.

فكما ان هناك ديمقراطية للشعوب يجب ان تكون هناك ديمقراطية للدول داخل المنظومة العالمية.

في اطار هذه التحركات جاءت زيارة خدام لبكين امس، ومثلها زيارات عزيز ورمضان لبكين او لموسكو.. ربما بعد ان يئس الآسيويون من تبعية اوروبا لامريكا.

ولكن.. ايا يكن شكل تركيبة التوازن الدولي القادمة، فان شيئا لن ينفعنا فيها، اذا لم تتغير تركيبتنا نحن العرب، اذا لم يصبح لنا وزن مختلف في اللعبة، يحسب له الآخرون حسابهم. والا انتقلنا من سيد امريكي الى سيد آسيوي كما انتقلنا بالامس من قبضة التركي الى قبضة الاوروبيين فالى قبضة العم سام.

د.حياة الحويك عطية

إعلاميّة، كاتبة، باحثة، وأستاذة، بين الأردن ومختلف الدول العربية وبعض الأوروبية. خبيرة في جيوبوليتيك الإتصال الجماهيري، أستاذة جامعيّة وباحثة.

مواضيع مشابهة

تصنيفات

اقتصاد سياسي الربيع العربي السياسة العربية الأوروبية الشرق الأوسط العراق اللوبيهات المسألة الفلسطينية والصهيونية الميادين الهولوكوست ثقافة، فنون، فكر ومجتمع حوار الحضارات رحلات سوريا شؤون دولية شؤون عربية شخصيات صحيفة الخليج صحيفة الدستور صحيفة السبيل صحيفة الشروق صحيفة العرب اليوم في الإرهاب في الإعلام في رحيلهم كتب لبنان ليبيا مصر مطلبيات مقاومة التطبيع ميسلون