بين صدق الحس الشعبي الذي تجلى في تسمية الامور باسمائها في دوربان، وبين نفاق وتزوير القائمين على البيان الختامي، بين الاصرار على تعرية الصهيونية، العارية عنصريتها اصلا، وبين الاصرار على الاقنعة الكاذبة، تلك التي ترفض، حتى تعبير »الاحتلال الاجنبي«، اكثر من دلالة، واكثر من مؤشر لطريق.
فاللوبيهات اليهودية القادرة على ارتهان الطبقة السياسية الرسمية، لان هذه الاخيرة هي في غالبيتها مفسدة، لم تصل الى سلطتها الا عبر صفقات وسلوكيات مشبوهة وارتباطات معينة، تجعل القول ان بعضها اوصل ولم يصل، وبعضها وصل لانه عرف كيف يشبك ويتسلق، وكيف يستجيب لنداء ومطالب القوى الاقتصادية والسياسية الكامنة في الخفاء.
واذا قلنا في غالبيتها، فان جزءا آخر منها مضطر لان يخضع ـ وبفعل الوضعية الاولى ـ لضغوطات كبيرة، تجعله وهو في الحكم غيره خارجه، نموذجا لما اسمته حنان عشراوي في كلمتها »الحياد الجبان«.
هذه اللوبيهات، غير قادرة على ارتهان الحس الشعبي، الذي يشاركنا، شعوبا، وعلى امتداد الكرة الارضية، عذاب القمع والكبت والمصادرة، وان باشكال متعددة ومتنوعة.
صحيح ان عملية تمويه وتضليل وتعتيم لا سابق لها، قد احاطت بقضيتنا، منذ ما يزيد على نصف قرن، بفعل سيطرة تلك القوى وتلك اللوبيهات على وسائل الاعلام على انواعها، جماهيرية كانت ام نخبوية، ولكن ما من اكذوبة تدوم الى الابد، واذا كنا نؤمن فعلا باننا اصحاب حق صادق، فان تأخر حقنا عن السطوع انما يعود في الدرجة الاولى الى تقصيرنا نحن في ابراز وجهه.
ولذا، فان دوربان التي شكلت لنا منعطفا حاسما، لم يكن لنا ان نحلم به لولا تزامن الحدث مع الانتفاضة، وغباء اسرائيل، او هستيريا الدم التي سيطرت عليها، واللذان لم يجعلاها تخفف حدة قمعها مع اقترابه وانعقاده، دوربان هذه ما هي الا هذا المنعطف، الذي لن تقف الصهيونية واليهودية العالمية امامه مكتوفتي الايدي، بل ستؤسسان بعده لهجوم مضاد سيتخذ اشكالا عديدة تتلخص كلها في خطين: تحسين صورة اسرائيل وشيطنة صورة الوضع العربي.
في الخط الاول سوف تنطلق جميع وسائل الاتصال »اعلام ـ فنون ـ ثقافة ـ سياسة الخ« في التذكير بآلام اليهود واعادة ابراز صورة الضحية المثيرة للشفقة، كما ستنطلق ايضا في تبرير سياسات اسرائيل تجاه الفلسطينيين، وتجاه الآخر، ايا يكن ولن يكون من البعيد عن ذلك ابراز دور يهود واسرائيليين في عملية »حوار الحضارات« على سبيل المثال، كما لم يكن بعيدا اتفاق شارون ـ بوتين على »اللجنة المشتركة لمكافحة الارهاب« ولن يكون بعيدا استغلال لقاء عرفات ـ بيريز استغلالا لن يضع ماكياج الملاك على وجه اسرائيل فحسب، بل وسيضع ماكياج الشيطان على وجه الفلسطينيين.
وفي الخط الثاني، سوف يكون الاجراء المثالي، هو تحريك جميع الفئويات العربية، من الفئويات الطائفية، كما في وضع اقباط مصر، الى الفئويات العرقية، كما في وضع بربر المغرب، الى الفئويات التي تجمع الاثنين معا، كما في وضع موارنة لبنان الى ما هنالك من مظاهر تجزئة يضج بها الوطن العربي، ولم ينفك محركوها التاريخيون عن ان يكونوا دمى متحركة خيوطها في يد الغرب واسرائيل.
واذا كانت هذه الفئويات لا ترقى عمليا وموضوعيا الى مستوى العنصرية والتمييز العرقي، ولا ينفصل طرح قضيتها عن السؤال عمن عمد الى زرعها وتحريكها. فانه لا بد من التنبه الى امرين:
الاول ان المتلقي العادي وحتى غير المختص، لا يعرف التمييز بينها وبين »العنصرية ويسميها كلها عنصرية، وكثيرا ما تكون لديه عوامل كبت وضيق تجعله يجد في الامر فرصة سانحة لفشة خلق، والثاني هو الاعتراف بان الوضع العربي الذي لا يقيم العلاقة العامة على اساس »حقوق المواطن« التي يتساوى فيها كل من انتمى الى الشعب والبلد، بصرف النظر عن اية اصول دينية او عرقية او اقليمية او قبلية، هو الذي يقدم البيئة الخصبة لهذا التشويه.
كما ان هذا الوضع الذي لا يقوم على علاقة ديمقراطية توعوية حقيقية، يجعل المواطنين عرضة لابتزاز قيادات عميلة منها ما ترسخ تاريخيا، ومنها ما ينبت كالفطريات السامة ويفاجىء الجميع.

