مع اقدام شارون على تنفيذ خطة الفصل العنصري في فلسطين المحتلة، تكون السياسة الاسرائيلية على الارض، قد عادت الى نظرية جابوتنسكي حول (جدار الفولاذ).
وبالعودة الى جابوتنسكي نعود الى معاصر اخر له هو مناحيم بيغن الذي كان يطرح، من جملة ما يطرح نظرية (كسر الهيبة) حيث يصر على تنفيذ العمليات ضد بريطانيا، حتى ولو بدا في الظاهر انها لا تحقق اهدافها المباشرة. اذ ان الهدف الابعد لها هو كسر الهيبة البريطانية وذلك لسببين:
اولهما ان بريطانيا كانت تمثل في حينها القوة الامبريالية الاولى في العالم مما يعني ان كسر هيبتها، سيكسر هيبة جميع القوى الاخرى.
والثاني ان بريطانيا، وبرغم تعاونها التأسيسي مع الحركة الصهيونية قد وصلت في مرحلة ما، الى وضع حدود لهذا التعاون، خاصة فيما يتعلق بسياسة الهجرة.
اما العلاقة بين تذكر جدار الفولاذ وكسر الهيبة، فهي ليست فقط علاقة التداعي الزمني، وانما ايضا علاقة تداع معنوي حيث تبدو اسرائيل، على المدى الحالي والقريب مستفيدة بشكل كبير من احداث الولايات المتحدة، فها هي تستبيح فلسطين بل وحتى الشركات الاجنبية العاملة في اراضي الحكم الذاتي، من مثل الشركة العاملة على انشاء ميناء غزة، وذلك في غفلة من العالم المنشغل كله بصاعقة اصابة القوي، لكن الامر رغم ذلك قد لا يكون هو هو على المدى البعيد.
فالولايات المتحدة التي سلمت السفراء العرب قائمة مطالب لا تفسر الا بكونها تحويلاً للحرب ضد الارهاب، الى حرب ضد المقاومة العربية والفلسطينية، هي في الوقت ذاته في مأزق قوامه انها لا تستطيع ان تقيم تحالفا ضد العرب والمسلمين بمشاركة العرب والمسلمين، او تحالفا ضد الارهاب تكسب فيه العالم العربي واسرائيل في آن.
لان مكافحة الارهاب، كما يفهمها ويريدها العرب، من مصر الى الجزائر، الى الاردن وسوريا ولبنان، الى الخليج هي شيء مختلف تماما عن مكافحة الارهاب كما تفهمها وتريدها اسرائيل، وعندما يقول ارييل شارون اننا نقاوم الارهاب منذ مئة وعشرين عاما، فانه يبرهن على استحالة اللقاء المذكور.
العرب، حتى من كانت له منهم مشكلته مع الارهاب، يعتبرون الصهيونية واسرائيل في قائمة الارهاب سواء من حيث المضمون ام الفعل، ام الاسبقية التاريخية.
ولا يمكن لا للعرب ولا لاي عاقل في العالم ان يوافق على ان حزبا او منظمة تناضل لتحرير ارضها من محتل غاصب هي حركة ارهابية.
لذلك تجد الولايات المتحدة نفسها، ومرة اخرى بعد حرب الخليج، مضطرة الى استبعاد اسرائيل من تحالفها – واجهته على الاقل – مع ما في ذلك من تقليص للدور الاسرائيلي، في المنطقة والعالم.
كما تجد الدول الاوروبية نفسها امام معطى قديم جديد هو انها لا تستطيع الانحياز الكامل لحماية اللقيط الاسرائيلي مع الحفاظ الكامل على مصالحها في جانبين اساسيين وخطيرين، مصالحها في العالم العربي وتوازنها الداخلي في وجود الجاليات العربية الكبيرة ضمن نسيجها الوطني.
ولذا تجد الدول العربية نفسها وهذه المرة اكثر من سواها، امام تحد تاريخي سواء في العمل باصرار ووعي على تحديد معنى الارهاب، وتمييز نضالات حركات التحرير الوطني من الحركات الارهابية، وذاك ما يقدم لنا تاريخ الشعوب الاخرى، التي نتعامل معها، امثلة كثيرة، يمكن الافادة منها، فيه.
فهل كانت معركة ليننغراد عملا ارهابيا؟ هل كان تنظيم فرنسا الحرة تنظيما ارهابيا؟ هل كان نضال الفيتناميين عملا ارهابيا؟ الى ما هنالك من مئات الامثلة. ام في العمل على الافادة من توظيف طاقات هذا العملاق العربي المقطع الاوصال، ومصالح الاخرين لديه، لصالح القضية الكبرى. ام في العمل على توظيف الجاليات العربية الاسلامية في دول الغرب لاقامة توازن، بل وترجيح، مع اللوبيات اليهودية في هذه الدول.
وفي هذا السياق يأتي التصعيد العسكري الاسرائيلي ضد الفلسطينيين عملا غير ذكي، فيما لو توفر لدينا سياسيين واعلاما، ذكاء استغلاله.

