مجرم الحرب المنتصر، يحاكم مجرم الحرب المهزوم!!
تلك هي المعادلة التي اوحت بها محاكمة الرئيس اليوغوسلافي السابق ميلوزوفيتش.
ولعلها المعادلة نفسها التي يتبينها المدقق من اشهر محكمة حرب في التاريخ، محكمة نورنبرغ، تلك التي وصفها رئيسها الاميركي المستقيل احتجاجا بانها استمرار »لاعمال الحرب«.
غير ان عنوان محاكمات جرائم الحرب بات يتخذ منحى جديدا على ما يبدو اذ تلوح به الولايات المتحدة في وجه كل من يتمرد على سلطتها، تمردا لم يعد يتمثل في حرب تزعج واشنطن، وانما تجاوزت الى سلام لا تريده.
فما ان لاحت بشائر مصالحة وطنية، تنهي الحرب الاهلية المزمنة في السودان، حتى لوحت الادارة الاميركية بمحاكمة المسؤولين هناك كمجرمي حرب.
هذا في اليوم ذاته الذي وقفت فيه هذه الادارة وحدها، ضد العالم كله المتمثل في 42 دولة يضمها المجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع للامم المتحدة، في التصويت على قرار يؤكد سيادة الشعوب الواقعة تحت الاحتلال على مواردها الطبيعية، كما يؤكد ان الاحتلال الاسرائيلي يعيق التنمية المستدامة، وايجاد بيئة اقتصادية سليمة في الارض الفلسطينية المحتلة والجولان السورية، مطالبا اسرائيل بعدم استغلال الموارد الطبيعية لهذه المناطق وعدم تعريضها للخطر والتسبب في فقدانها او نفادها.
هذا ايضا في اليوم نفسه الذي يبرر فيه ثاني اعلى سلطة في الادارة الاميركية عمليات الاغتيال التي تنفذها اسرائيل في الارض المحتلة.
فأي قاض هو هذا »الفانفستر« الاميركي، الذي تختصر عدالته في غلاظة عصاه!
واي عصر هو ذاك الذي يعود فيه العالم، روما والبرابرة، وتعود العدالة الى مفهوم كان يجعل مارك اوريليوس رمزا للعدالة في روما وهو يأمر بصب الرصاص في حلوق الاسرى من البرابرة!
ولماذا لا تحارب الولايات المتحدة على جرائم الحرب التي ارتكبتها من فيتنام الى العراق؟
وهل كانت وسائل القتل من هتلر الى ميلوزوفيتش اكثر عداء للانسانية، ومساً بالابرياء من اليورانيوم المنضب الذي ثبت استعماله في حرب الخليج، وثبتت آثاره »البليونية« على كل انسان عاش ويعيش في اطار المنطقة بمن فيهم جنود الغرب انفسهم؟
المطلوب، حملة اعلامية مضادة، تستفيد من اثارة واشنطن لقضية جرائم الحرب، لاثارة الجرائم بحق الانسانية التي ارتكبتها الولايات المتحدة نفسها، وتلك التي ارتكبتها اسرائيل: من مجازر، الى اغتيالات، الى ابعادات، الى استعمال اسلحة محظورة، الى.. الى..
والا سيأتي يوم قريب – هلت بشائره – تصبح فيه قصة جرائم الحرب اشبه ما تكون بقصة »حقوق الانسان« التي تلوح بها واشنطن وحلفاؤها في وجه كل نظام لا يؤدي الخضوع، وتعفي منها تماما، اي مجرم حقيقي، مهما كبرت جريمته، اذا احسن خفض الرأس والانصياع.
تماما كما يصار الى تطبيق جميع القوانين الدولية.. لا بمكيالين، بل بمكيال واحد هو الانسجام مع الهيمنة الاميركية، واليهودية الاسرائيلية.
في هذا الاطار جاءت تصريحات وزير الاعلام الفلسطيني، موفقة في الرد على البي بي سي، وهو خط يجب تفعيله اكثر، فيما يسمى باعلام »المسمار«.. علينا ان نوالي الدق على مسمار جرائم الحرب الاسرائيلية، خاصة وان اسرائيل لا تبخل علينا يوميا بمادة قديمة – جديدة لهذا الدق.
مرفقين ذلك بالتركيز على عنصرية الصهيونية ودولتها، محققين بكل ذلك مكسبين اعلاميين سياسيين:
– تثبيت اسرائيل والصهيونية في اطار السياق المعاصر المطروح لمجرمي الحرب والجرائم ضد الانسانية، وللنموذج العنصري المرفوض انسانيا.
– وانتزاعها من الاطار الذي وضعت فيه نفسها، صورة للضحية النموذج: ضحية جرائم الحرب والعنصرية.

