العراق – الحقيقة

العراق، 10-10-2001

مرة كتب نزار قباني: هل كان علينا ان نخسر بيروت لنربح قصيدة؟

لماذا يحضر هذا القول الى الذهن ونحن نسمع عن التلويح بجزرة الدولة الفلسطينية، بينما ترتفع العصاه الغليظة الفظة فوق رأس العراق وقبالة الجبين السوري.

ربما لأن هذا الكلام اقرب الى القصيدة اذا ما اخذنا بمقولة ان اعذب الشعر اكذبه.

فاية دولة فلسطينية هي تلك التي يلوح بها الرئيس الامريكي للعرب، قبل مؤتمري وزراء الخارجية العرب والمسلمين؟ واي وعد سراب هذا الذي يمد للعرب كي يقبلوا بتغطية عربية اسلامية للتحالف الذي يسمونه دوليا؟ تحالف لا يضم الا معظم الاقوياء ضد جميع الضعفاء وكأن هؤلاء ليسوا من العالم رغم انهم يشكلون اكثر من نصفه؟

ففي حرب الخليج قيل لنا ان ثمن الانضمام الى »تحرير الكويت« سيكون »سلام فلسطين« فاكتشفنا بعد عشر سنوات ان »تدمير العراق« هو »تدمير فلسطين« وايصال الخليج كله الى مرض »فقر الدم« و»هشاشة العظام«.

وبعد الحرب، ظلت ادارة الرئيس كلينتون تتحدث عن »الدولة الفلسطينية« فيسيل لعاب العرب، ويبتلعون بشهية سم التطبيع والتمييع ويستسلمون لفقدان الذاكرة، فيما يشتد ضغط الاصابع على عنق العراق، ويعزل كي تفتك به اللوكيميا وجفاف الشرايين.

الى ان جاءت ساعة الحقيقة، ووجد الذين سبقوا الى »معسكر داود« ان »الدولة« اسم لغير مسمى، وانها مصطلح سيحشى عندما يتعلق الامر بفلسطين بمضمون لم يسبق ان حمله بالنسبة لاية »دولة« في العالم.

 

عشر سنوات..

ويعود سراب »الدولة« وحقيقة الاجهاز على العراق. فاي حساب ابله ان نخسر العراق لنكسب محمية باهتة في فلسطين!

ليس فقط لان النتيجة البسيطة لهذه العملية الحسابية، هزيلة بل ورهيبة في حجم الخسارة.

وليس فقط، لانه بالمعيار القومي الذي يجعلنا كلنا معنيين بفلسطين، وبدونه لا – بهذا المعيار – لا يجوز ان تبيع الام ابنا لتشتري قطعة من ابن آخر.

وليس فقط لأن الاجهاز على العراق سيعني بالتالي الانتقال الى دول عربية اخرى، لا تخفي الاجهزة الغربية، ولا وسائل الاعلام ترتيب دورها.

ليس لاجل ذلك كله فقط.. بل ولأن هذا الاجهاز، سيكون دق آخر مسمار في نعش فلسطين نفسها.

ومن ثم في نعش الأمة كلها، التي ستتحول الى سهل ممهد، مستلق امام مجزرة الهيمنة الاسرائيلية على الشرق الاوسط.

بعد ان تقوم المجنزرة الاميركية الجبارة، بازالة كل العوائق من امامها.

وعندها سنفهم كم ان هذه الحرب، التي لم تفعل الا ان تبدأ في آسيا، هي حرب صهيونية بالدرجة الاولى.

وقد لا يكون من باب الصدفة ان يكون قائدها هو وزير الدفاع الامريكي المعروف بأنه يهودي صهيوني متحمس، وذلك ما ردده جميع المحللين والمطلعين منذ تعيينه. كما انه ليس من قبيل الصدفة ان يكون نائبه هو الذي اعلن انتقال الدور الى العراق، في المرحلة الثانية.

اما الحديث عن تضارب المصالح الاميركية – الاسرائيلية، فليس الا من باب ذر الرماد في العيون، والذي قرأ في عددنا ليوم امس، ترجمة المناقشة بين محامية يهودية »قصيرة النظر« كما وصفت، تدين توجه الاميركيين الى العرب، وتتهمهم ببيع اسرائيل، وبين قاض يهودي »بعيد النظر« واكثر حكمة، يعنفها على رعونتها، ويفهمها ان كل ما يجري هو لمصلحة اسرائيل، لان نتيجته النهائية هي »القضاء على جميع المتطرفين في منطقة الشرق الاوسط« و»اعادة عملية التسوية السلمية الى ما تريده اسرائىل« – الذي قرأ ذلك يستطيع ان يتبين نموذج شارون الارعن، ويفهم لماذا اسرع الى الاعتذار بعد ان قرص »الحكماء« اذنه، ويفهم بالتالي اي خطر هو القادم!

ماذا نفعل، ازاء كل ذلك؟ امام قادتنا الكثير، الكثير مما يراهنون عليه، مما يساومون عليه، شرط ان يساوموا لأجلنا، وان يتعالوا على حساسياتهم الصغيرة، وعلى تخاذل لن يؤدي الى الدمار.. ان يبدأوا بمواجهة ما يطرح علنا حول العراق، بموقف موحد، صلب، وحاسم.

وان يتلقفوا هذا الكلام العائم عن “الدولة”باسئلة معلنة، عن تحديد واضح بالمقصود منه.

كي لا نكسب “قصيدة دولة”لنخسر »حقيقة امة”.

د.حياة الحويك عطية

إعلاميّة، كاتبة، باحثة، وأستاذة، بين الأردن ومختلف الدول العربية وبعض الأوروبية. خبيرة في جيوبوليتيك الإتصال الجماهيري، أستاذة جامعيّة وباحثة.

مواضيع مشابهة

تصنيفات

اقتصاد سياسي الربيع العربي السياسة العربية الأوروبية الشرق الأوسط العراق اللوبيهات المسألة الفلسطينية والصهيونية الميادين الهولوكوست ثقافة، فنون، فكر ومجتمع حوار الحضارات رحلات سوريا شؤون دولية شؤون عربية شخصيات صحيفة الخليج صحيفة الدستور صحيفة السبيل صحيفة الشروق صحيفة العرب اليوم في الإرهاب في الإعلام في رحيلهم كتب لبنان ليبيا مصر مطلبيات مقاومة التطبيع ميسلون