خشية الرحيل

المسألة الفلسطينية والصهيونية، 10-10-2000

شلومو بن عامي يطلب «تهدئة حدود اسرائيل الشمالية».

باراك يزور المستوطنات لتهدئة «المواطنين».

مسؤول اخر يعلن «اعتقدنا اننا نفذنا بانسحابنا من لبنان عملا كبيرا، نخشى ان يبدأ المستوطنون بالرحيل من كريات شمونة».

وحارس عمارتنا، المصري، البسيط، يسألني مستغربا قبل يومين: «سيدتي بيقول ايه الخبر.. هما الاسرى دول ايه، جابوهم منين».

اوضح فيستطرد: «الله اكبر، حراس حدود، اكيد حراس حدود؟

حراس حدود بيتقتلوا، آه، بيؤسروا ازاي؟»

الكاميرا تجول على وجوه الاطفال الراقدين في المستشفيات بجراحهم، ولا تلتقط على وجه واحد منهم لمحة خوف او ذعر او حتى دمعة.

والجرافات تحلق الارض من كل ما عليها كي تحمي الموقع المدجج بالسلاح من »الشبان الفلسطينيين«.

اهم ما في ذلك كله: خشية الجنرال من »رحيل المستوطنين..«

لو قالها احدنا، لاتهمه كثيرون بالمبالغة والخيال..

لكن الامر في العمق السيكولوجي الجمعي مبرر دقيق، ليس فقط لما يقال عاده من طبيعة اليهودي الجبانة الحاقدة، وذاك واقع يرتبط بعدة عوامل منها ماديته البالغة، فما من شحيح شجاع بل ولسبب اخر قائم بين الواقع والاملاء.. فهؤلاء الحاقدون قد تعلموا من كتاب يدعونه دينيا، ومن حركة سياسية ان الارض لهم لكن نبض الواقع المتكرر ستين مرة في الدقيقة مضروبة بستين دقيقة هي عمر الساعة باربع وعشرين عمر النهار، بثلاثين هي الشهر واثني عشر هي السنة ثم بآلاف هي السنين.. لا ينكفىء يدق في اذنه انها لهؤلاء، فيثور جنونه محاولا بكل الوسائل اسكات الصوت، وكلما استعصى عليه فقد اعصابه اكثر، وارتفع منسوب وحشيته اعلى.. واذ يلجأ الى محاولة خنق الصوت بالهدوء الخبيث الذي اسموه سلاما، مغالبا حقده واعصابه ووصل الى نقطة اكتشف معها انه لم ينجح تماما، كما اراد، جن جنونه من جديد، واطلق ناره.. وجنوده.. ومستوطنيه.

رغم ذلك كله.. ها هو يقع في مأزق صعب: هل يشعل الحدود الشمالية »مضحك تعبير الحدود الشمالية« فيرحل المستوطنون، الذين لا يمكن ان يتشبثوا بهذه الارض كما يفعل صياد في غزة او فلاح في رام الله او اخر في شبعا، ام يضطر الى ارسال مفاوضيه من زعماء العالم، الخاضعين للوبيهات اليهودية في الغرب، في محاولة لحل المشكلة ويهرع هو الى »تهدئة« مستوطنيه.. ويفجر غضبه وانتقامه دبابات ومستوطنون ليسوا الا جنود احتياط كاملي التسلح، يدفعها الى شوارع القدس واحيائها السكنية.

كل ذلك في وقت تتنادى فيه حكومة »وحدة وطنية« ابرز ما فيها انها تمد لسانها لكل عربي غبي ميز يوما بين يمين ويسار، بين علمانيين ومتدينين، بين شرقيين وغربيين لدى اليهود.. وكأنما لم يكن اليسار، هو الذي شن علينا جميع حروب اسرائيل من بن غوريون الى باراك، سواء أكانت حروبا نظامية ام حروب ابادة وتكسير »من كسر العظام الى كسر الارادة«!.

العبرة البسيطة من كل هذا، تكمن في اتضاح مدى هشاشة هذا الكيان المفتعل ازاء اقل تحرك يفرط ولو قليلا حلقات التجزئة الضيقة المقفلة التي تشكل ضمانة شلل الامة وضمانة حماية اسرائىل.

وهل يمكن ان نتخيل المدى الذي يمكن ان يبلغه مأزق هذه الاخيرة فيما لو ان اكثر من جبهة تحركت، عمليا وبمختلف الوسائل، لاستكمال الصمود الاسطوري الذي يبديه الفلسطينيون؟

سؤال لا بد من ان يجر سؤالا اخر:

هل ستخرج القمة العربية بموقف يصب في اتجاه الدعم هذا.. ام بموقف لا يدل الا على مساحة الفجوة التي تفصل الحكومات عن ملايين العرب الذين نراهم كل يوم في الشوارع؟

د.حياة الحويك عطية

إعلاميّة، كاتبة، باحثة، وأستاذة، بين الأردن ومختلف الدول العربية وبعض الأوروبية. خبيرة في جيوبوليتيك الإتصال الجماهيري، أستاذة جامعيّة وباحثة.

مواضيع مشابهة

تصنيفات

اقتصاد سياسي الربيع العربي السياسة العربية الأوروبية الشرق الأوسط العراق اللوبيهات المسألة الفلسطينية والصهيونية الميادين الهولوكوست ثقافة، فنون، فكر ومجتمع حوار الحضارات رحلات سوريا شؤون دولية شؤون عربية شخصيات صحيفة الخليج صحيفة الدستور صحيفة السبيل صحيفة الشروق صحيفة العرب اليوم في الإرهاب في الإعلام في رحيلهم كتب لبنان ليبيا مصر مطلبيات مقاومة التطبيع ميسلون