مجزرة حولا

المسألة الفلسطينية والصهيونية، 05-05-2000

لم نكن نعرف الجنوب لانه محتل، ولان الوصول اليه متعذر..

ولكن.. لماذا لم نكن نعرف تفاصيل معاناته وقصصها؟

حتى الاعلام اللبناني، لم يكن يعرض لها وكأنها حدثت في بلد اخر، (شقيق) في احسن الحالات..

لكأن الاحتلال يعني مجرد وجود جيش اجنبي، وكأن الجانب المقابل يعني مجرد (قصف حزب الله بالكاتيوشا، الليلة الماضية مستوطنة كيت..) او (عملية استشهادية جديدة: فتاة من الحزب السوري القومي او الشيوعي او.. تفجر سيارتها في تجمع للعدو).

مع التحرير، ارتفع الغطاء، وتدفقت الحكايات المرة: حكايات لا تكتفي بايضاح معنى التمييز بين متعاون ومتعامل ومقاوم.. بل تعبر الى تفاصيل حياتية يومية ملموسة، تضع اصبعك على جمر معنى الاحتلال واستبداد المتعاونين واذلال السكان.

الى ملفات اقتصادية بسيطة واساسية وخطيرة، تشكل حياة الناس.

والى جوانب تاريخية، ظلت مدفونة تحت تراب الاغفاء والاهمال.

كلها تلح على بوابة الكتابة لكن واحدة منها تقتحم جمهور الوقائع لتتصدرها.

ربما لتاريخيتها وربما لفجاءة اكتشافها: مجزرة حولا.

لم نسمع عنها يوما حتى عندما حصلت مجزرة قانا، حيث كان يفترض ان يربط بينهما تاريخيا وجغرافيا، ولا عند الحديث عن مجازر فلسطين المعاصرة لها.

لم نعرف يوما ان حولا لم تحتل في السبعينات او الثمانينات، وانما في الثامنة والاربعين، اي ان ما احتل في الثامنة والاربعين لم يكن القرى السبع فقط.

ولم نسمع يوما، ان اليهود قاموا عندما دخلوا حولا، بجمع الاهالي كلهم ثم اختاروا من بينهم الشباب القادرين على حمل السلاح والمقاومة، واقتادوهم الى مكان على تخوم البلدة، حيث قسموهم الى جماعات حشروا كلا منها في قبو:

»كنا ثمانية عشر شابا في الغرفة دخل اليهود: قفوا، وقفنا.. ارفعوا ايديكم، رفعنا ايدينا.. اديروا وجوهكم الى الجدار، ادرنا.. ثم رشونا.. اصبت برصاصتين في كتفي وفخذي وقعت ارضا مع من وقعوا.. وفي لحظة فجروا المكان كله فوقنا.. لم افقد الوعي لكن الخشبة الضخمة التي سقطت فوقي كانت تعيقني عن الحركة«..

هكذا روى الشيخ العجوز الناجي الوحيد من مجزرة حولا، قصتها، في شاشة تلفزيون المستقبل، خلال برنامج طويل حمل عشرات قصص المعاناة، والقهر.. التي كان يكفي لها ان تترك الناس يحكون بتلقائية، ونقل الينا معاينة ميدانية للموقع الحصين الرابض فوق قمة البلدة، كما فوق ارواح ابنائها.. حيث كان الجيش العميل يقوم بخدمة منفذ المجزرة، ويحولها الى حالة مستديمة..

لماذا لم يكن الاعلام اللبناني والعربي ومثله السياسيون والمؤرخون يذكرون مجزرة حولا؟ هل كنا ننتظر ظرف صراع سياسي داخلي في اسرائيل، يجعل احد اطرافه يكشف عنها، كما حصل لمذبحة الطنطورة؟ هل كان السياسيون اللبنانيون، الذين جهدوا في حشو دماغنا منذ الخمسينات بان الصراع مع اليهود لا يخصنا كلبنانيين، فلماذا نقاتلهم لاجل الفلسطينيين؟ وان (قوة لبنان في ضعفه) وان الجيش الاسرائيلي هو فعلا كما يسمي نفسه بوقاحة (جيش دفاع) لم يكن ليتعرض لنا لولا الوجود الفلسطيني في لبنان، ثم لولا هذه الاحزاب القومية واليسارية والاسلامية؟

نفهم لماذا يفعل ذلك عميلان رائدان مثل بيير الجميل وكميل شمعون وورثتهما ومن وراءهما من حاقدين او مضللين. ولكن كيف نفهم ذلك من ادعياء الوطنية والمقاومة والبعد العربي بل ومن زعماء الجنوب الذين لو انتبهوا الى مجازره لادخلوها في قائمة تجارتهم؟

المهم الان: ارتفع الغطاء.

نبدأ من مجزرة حولا عام 1948 الى مجزرة قانا عام 1998 ولكن بينهما مجزرة جماعية كبرى، في كل حكاية لكل لبناني عاش تحت الاحتلال تجل رهيب لها..

ان الهولوكوست اللبناني يأخذ مكانه في تاريخ المذبحة، الى جانب الاخ الاكبر الهولوكوست الفلسطيني..

واذا كان اللبنانيون اذكياء فعلا، لفتحوا ملفا ضخما للادانة وللتعويضات وجعلوا له مقدمة ضخمة، جميع مطالب وقصص التعويضات التي فرضها اليهود على اوروبا.

د.حياة الحويك عطية

إعلاميّة، كاتبة، باحثة، وأستاذة، بين الأردن ومختلف الدول العربية وبعض الأوروبية. خبيرة في جيوبوليتيك الإتصال الجماهيري، أستاذة جامعيّة وباحثة.

مواضيع مشابهة

تصنيفات

اقتصاد سياسي الربيع العربي السياسة العربية الأوروبية الشرق الأوسط العراق اللوبيهات المسألة الفلسطينية والصهيونية الميادين الهولوكوست ثقافة، فنون، فكر ومجتمع حوار الحضارات رحلات سوريا شؤون دولية شؤون عربية شخصيات صحيفة الخليج صحيفة الدستور صحيفة السبيل صحيفة الشروق صحيفة العرب اليوم في الإرهاب في الإعلام في رحيلهم كتب لبنان ليبيا مصر مطلبيات مقاومة التطبيع ميسلون