هي الفوضى، والاخطر انها افلتت من يد مبرمجيها. نعم نجحت اهداف الاحتلال الاميركي في العراق : تقسيم البلاد الى ثلاث على اساس عرقي ومذهبي، تقسيم لا يحتاج بالضرورة الى دول مستقلة تعترف بها الامم المتحدة وتتبادل السفراء مع دول العالم، بل انه يبقى امرا واقعا قائما على الارض دون ان يصل الى اي نوع من انواع الاستقرار، بما فيه الاعتراف والامان. تتحول الدولة الى اكثر من دولة ولكنها تبقى اقل من دول. حتى امان سايكس بيكو التي ظللنا نلعنها قرنا من الزمن، بات حلما بعيد المنال.
في سوريا : الرقة ودير الزور خارج سيطرة الدولة، والتجاذب قائم بشان حلب، وماذا عن لبنان وماذا عن الاردن ؟ بل والاخطر : ماذا عن مصر؟
كل ما كان المتحذلقون يدرجونه تحت نظرية المؤامرة، اصبح واقعا، وكل ما لم يصبح منه بعد واقعا ينذر بان الواقع اصدق من الخيال.
قالت معاريف يوما : غدا السعودية واما مصر فهديتنا الكبرى. يبدو ان مصر تقدمت على السعودية في قائمة التخريب وربما التقسيم. الكويت تقدمت ايضا، فيما تتمترس قطر وراء غازها ووراء اكبر قاعدة اميركية في العالم. تدمير الدول يقتضي تدمير رموز السيادة، واولها الجيش ومن ثم السلطات التشريعية والتنفيذية. هناك عناصر السيادة : الجغرافيا والديموغرافيا والتاريخ، وهناك رموز السيادة : الجيش والسلطات والامن. التغيير شريعة الارتقاء، ولكن التغيير يطال الاشخاص الموجودين في المؤسسات دون ان يسمح له بان يطال المؤسسات، والا فلا دولة بل عودة الى ما قبل المجتمع وما قبل الدولة. لذا كان على راس المخطط تدمير الجيوش، ثلاثة جيوش يحسب لها حساب في المنطقة العربية : المصري، العراقي، السوري. الاول تم تحييده في كامب ديفيد ومن ثم ربطه تمويلا وتسليحا وتدريبا بمصدر واحد : الاميركي، الثاني كان حله قرار الاحتلال الاول، الثالث تم توريطه في حرب داخلية، خارجية، كونية لا ندري متى يخرج منها. (كان الرهان في لبنان منذ وقت مبكر من ظهور الارهاب، وبعد تحرير جنوب لبنان، مطلب اميركي اسرائيلي واحد : تغيير عقيدة الجيش من العداء لاسرائيل الى مقاومة الارهاب، الجيش رفض، فرفض تسليحه، رغما عنه ينخرط الان في مقاومة الارهاب، فتحل عقدة التسليح، بما يلزم لذلك الهدف وليس بما يشكل خطرا ولو دفاعيا على اسرائيل). الجيش السوري، كان اكبر من ان يطلب منه تغيير عقيدته، وكان الجيش الوحيد الذي لم يرتبط بالاميركيين تسليحا وتدريبا وتموينا، لذلك ارسل الارهاب الى عقر داره ووضع تحت الامر الواقع.
ماذا ينتظرالجيش المصري ؟ توازن اعتماد وعلاقات كما لوحت زيارات السيسي الى موسكو اوالى الجزائر، ام توريط في حروب لامعنى لها كما لوح تصريح الرئيس حول الخليج : ” مسافة السكة!!” ؟ لن يعتدي احد على الخليج، والسيسي يعرف ذلك، بل ان التوجه الخليجي الايراني هو نحو تهدئة تطل براسها خجولة، على الاقل في العلن. اين اذن يكمن الخطر ؟ في سيناء، وربما ايضا على الحدود الليبية. الم يعلن ان الحديث بشان هذه الحدود دار بين بوتفليقة والسيسي ؟
اذكر لعبة اطفال شاعت في السبعينات : كرة معدنية صغيرة تستقر على قوس بفعل المغناطيس والتوازن، لكنها لا تتوقف عن التارجح. هكذا هو حال الاردن. ادعاء من داعش واصداء في الداخل، تصريح من اسرائيل بان امن اسرائيل لا يضمنه الا احتلال كامل الغور، وتلويح بالوطن البديل.
ويعود لبنان الى معزوفته القديمة، تلفزيون ام تي في المحسوب على القوات اللبنانية يستعرض لمدة ساعة خبر انشاء ” لواء احرار الصليبيين ” ردا على لواء احرار السنة الذي هدد بابادة المسيحيين في لبنان. فهل جاء هذا التصريح ليبرر هذا الانشاء ؟ هل من المطلوب العودة الى جبهات الحرب الاهلية الطائفية ؟ سمير جعجع ما يزال هنا، والمحطة التلفزيونية القريبة منه هي من يروج لهذا الهراء، ترويجا يصل حد ” الصليببين” بدل المسيحيين. فمنذ متى كان مسيحييو المشرق صليبيين ؟ الم يرتكب الفرنجة ابشع المجازر بحق مسيحيي القدس وغيرها، اكثر مما ارتكبوا بحق المسلمين؟ فلماذا اذن ؟ بنظرة اهدأ، هذا رد على مفهوم العرب المسيحيين، هؤلاء الاكثر انتماءا وعروبة والاقدم حضورا، وكذلك على مفهوم المسيحية المشرقية التي يتبناها بشكل خاص العماد ميشال عون، المنافس الاشرس على الساحة المسيحية. عون نهج الاعتدال والمشرقية، وجعجع نهج التطرف والتعامل مع الخارج ( بما فيه اسرائيل)، لذا فان كا نمو للارهاب ضد المسيحيين في لبنان سيصب في مصلحة الثاني. معادلة تتجاوز خطورتها الرجلين والحزبين، الى العودة الى منطق الدولة المسيحية في لبنان، لتستكمل معزوفة الدول الطائفية والمذهبية، وعندها، لا باس من بعض المجازر بحق المسيحيين كي يقبلوا جميعا بالانعزال، واستقبال المسيحيين الاخرين من سوريا وربما غيرها ( هل كان شعار “المسيحيين عا بيروت” الذي رفعه المسلحون الارهابيون في سوريا منذ الايام الاولى للازمة مجرد شعار عفوي ؟ ) من هنا فان تهديد من سموا انفسهم احرار السنة ليس مجرد تهديد فج وانما هو امر يندرج ضمن ستراتيجية واضحة. ستراتيجية تجد ارضيتها اكثر كلما استمر شغور وشلل المؤسسات وافلاس الاقتصاد.
كلنا، الى اين؟

