للسنوات المقبلة

شؤون دولية، 12-12-2012

لعل صخب الانتخابات الاميركية التي وصفها احد الكتاب الغربيين ب ” السيرك”، والصمت المطبق الذي احاطت به القيادة الصينية مؤتمرها العام الخامس وانتخاباتها، هو ما جعل الاعلام يولي الاولى كل اهتمامه ولا يفي الثانية حقها رغم ما تشكله من اهمية مصيرية بالنسبة للعالم خلال السنوات العشر القادمة، فيما لا تحدد الاولى  الا اربع سنوات فقط من عمر السياسة الاميركية. وربما استمر العالم في السير بحذر طوال المدتين  على فوهات براكين تتنوع من التغيير السياسي والاجتماعي الى الازمات الاقتصادية.

الجيل الخامس من الحزبيين الصينين اختار اللجنة المركزية المؤلفة من 370 عضوا والمكتب السياسي المؤلف من 25 عضوا ومن ثم المكتب الدائم، فالرئيس. في ظل نمو اقتصادي استثنائي وارتفاع متوسط الدخل الفردي الخام من الف الى خمسة الاف ونصف. نسبة تحلم بها معظم شعوب الارض في هذه المرحلة. فيما انخفضت نسبة الواقعين تحت خط الفقر من 28% الى 13% وشمل التامين الصحي كافة المواطنين تقريبا.

واذا كان هذا النمو الاقتصادي يعاني من شائبتين : الاولى هي اتساع الهوة بين الريف والمدينة والثانية هي اعتماد الاقتصاد على التصدير مع ضمور حصة الاستهلاك الداخلي، مما يعزز الارتهان غير المباشر للسوق الخارجي، فان المؤتمر قد تنبه بقوة لهما واولاهما تقرير هيو عناية تفصيلية، اضافة الى الاستثمار والتصدير والى تعزيز الاتفاقيات الجماعية للعمل ومضاعفة الدخل الفردي والتعليم. لتبقى مشكلتان اخريان على راس التهديدات : الفساد، والتلوث. وقد تطرق المؤتمر للاولى لكنه وقف شبه عاجز امام الثانية.

غير ان هذه القوة الاقتصادية الاستثنائية لا تقابل بذات المنعة على المستوى العسكري، في حين ان كليهما تحددان السياسة بوجهيها الداخلي والخارجي. فبحر الصين العائم على خزانات النفط والغاز والذي يحمل اكثر من نصف نقل البضائع داخل القارة لا يخضع للقوة الصينية وانما تتحكم به القوات الاميركية حيث يتجول 60بالمئة من اسطولها بين القواعد المحيطة، والتي يبلغ عددها ثلاثة عشر قاعدة.  وجود ربما ارادت كل من واشنطن وطوكيو التذكير به عندما نظمتا مناورات مشتركة قبل اسابيع من المؤتمر، في فعالية لم تخرج عن ستراتيجية الولايات المتحدة التي اعلنها الرئيس اوباما وتتمثل في نقل الاهتمام من الاطلسي والمتوسط، وتوكيلهما للحلفاء في الاطلسي، لتوجيه القوة الاميركية الى منطقة المحيط الهندي واسيا.

بهذا نفهم اعلان تقرير هيو عن اربعة نقاط ارتكاز : الاستمرار في التنمية السلمية،انتهاج سياسة خارجية مستقلة، السعي لحلول سلمية للصراعات الدولية وتحديث القوات المسلحة، خاصة البحرية منها.

وبالمقابل تبدو الدعوات الاوروبية الى الصين لتحرير اقتصادها وتحرير الاعلام والتخفيف من سلطة الحزب وشفافية التسلح وكانها حلم مقطوع عن الواقع والزمن  او دعوة الى الانتحار لانسان مفعم بالحياة والنجاحات والامال. او الى مجتمع لا يلتفت الى الصراخ وهو يعتمد ستراتيجية الحفاظ على الاستمرارية وانتهاج الاصلاحات التدريجية الهادئة والحذرة التي تضمن تحولها خلال السنوات العشر القادمة الى منافس حقيقي للولايات المتحدة ومن يليها من القوى العظمى.

هنا تبدو الصين وكانها تدخل الحرب الباردة دون ان تنوي تحويلها الى حرب عسكرية. ودون ان تتهاون في حماية مصالحها الاقتصادية التي تشكل عنصر قوتها في الداخل وعلى الساحة الدولية. حماية تترجم بالرهان الاقتصادي والعمل الديبلوماسي على كل الاصعدة، من الوساطة الى المساومة وخاصة بفضل هامش المناورة الذي  يمنحها اياه مقعدها في مجلس الامن الدولي.

د.حياة الحويك عطية

إعلاميّة، كاتبة، باحثة، وأستاذة، بين الأردن ومختلف الدول العربية وبعض الأوروبية. خبيرة في جيوبوليتيك الإتصال الجماهيري، أستاذة جامعيّة وباحثة.

مواضيع مشابهة

تصنيفات

اقتصاد سياسي الربيع العربي السياسة العربية الأوروبية الشرق الأوسط العراق اللوبيهات المسألة الفلسطينية والصهيونية الميادين الهولوكوست ثقافة، فنون، فكر ومجتمع حوار الحضارات رحلات سوريا شؤون دولية شؤون عربية شخصيات صحيفة الخليج صحيفة الدستور صحيفة السبيل صحيفة الشروق صحيفة العرب اليوم في الإرهاب في الإعلام في رحيلهم كتب لبنان ليبيا مصر مطلبيات مقاومة التطبيع ميسلون