الحديقة الخلفية، التهديد الاول، التناقض الاول، الفضاء الجيوستراتيجي، كلها القاب يطلقها الستراتيجيون على اميركا الجنوبية بالنسبة لاميركا الشمالية وتحديدا الولايات المتحدة الاميركية.
بالامس انتصر سيمون بوليفار في مكان من الاكثر حسما على هذا الجزء الجنوبي من العالم الجديد، ليطرح في دائرة الضوء ما تعنيه الابوليفارية وما تراه واشنطن.
في كتابه : من نحن، “تحديات الهوية الاميركية ” ينظر صموئيل هنتنغتون لما يعنيه خطر اميركا الجنوبية مؤسسا على الواقع امكون لعناصر الهوية، حيث يعتبر ان هذه العناصر تتناقض كليا بين الفضائين : فالولايات المتحدة انكلوساسكونية، بروتستانتية، بيضاء، فيما اميركا الجنوبية لاتينية، كاثوليكية سمراء او خلاسية.
وبناءا عليه، فان نمو قوة القارة اللاتينية سيشكل تهديدا قويا للهوية الاميركية الشمالية، يقول هنتنغتون.
ويضيف التحليل الى مقولته عنصرين مهمين : الاول ان ثمة نزاعات حدودية بين الاميركتين، والثاني ان نمو القوة الجنوبية ياخذ مجرى يساريا واضحا و متحديا، ويمد شعابه وشبكاته التحالفية الى ما وراء الاطلسي والى قوى مناهضة او منافسة للقوة الاميركية الشمالية. والاصعب ان هذا المد اليساري لا ياتي الا عبر صناديق الاقتراع فيما لا يترك مجالا للادعاء بما كان يدعي به ” العالم الحر ” من ارادات الشعوب. بل ان العكس هو الصحيح : أي ان الانظمة الموالية للولايات المتحدة في تلك القارة الجنوبية، هي التي جاءت بانقلابات وجنرالات وعلى ظهر دبابات اميركية شمالية، ومارست اسوا انواع القمع. اما من الناحية الاقتصادية، فان حلفاء الولايات المتحدة هم دائما في صف الاغنياء ضد الفقراء، بل انهم من تسبب في اتساع الفجوة الاجتماعية بشكل هائل بين الاغنياء السمر وفقرائهم، ولعل في ذلك تحليل اجتماعي لتاييد الشرائح الاجتماعية من متوسطة وما دون لزعماء من مثل هوغو شافيظ. لدرجة انهم استطاعوا اعادته بالقوة الى القصر الرئاسي عندما دعم الاميركيون انقلابا ضده.
العامل الثاني في الخطورة الجنوبية هو ان البوليفارية لم تقم فقط على دعوى اجتماعية – اقتصادية، أي دعم الطبقات الشعبية واستقلال ثروات اميركا الجنوبية، وانما قامت ايضا على المطالبة بوحدة اميركا الجنوبية ولو بشكل كونفدرالي او جبهوي، وهذا ما اخذ يتحقق منذ وصول اليسار الى الحكم في معظم دول المنطقة. وهنا يبدو ارتباط اليسار الجنوبي بفكرة الوحدة امرا منطقيا طبيعيا، لان هيمنة الجزء الشمالي وتحديدا واشنطن تقتضي التفريق والتجزئة، فيما يقتضي التصدي لهذه الهيمنة القوية شكلا من اشكال الاتحاد لا امل للمواجهة بدونه.
من هنا نشعر نحن بشيء من التوامة بين وضعنا ووضع اميركا الجنوبية، رغم ان عناصر اخرى كثيرة تختلف، غير ان العناوين الثلاثة الرئيسية : الوحدة، العدالة الاجتماعية، ومواجهة الهيمنة الاميركية تتشابه كما تتشابه حرب هذه الهيمنة ضد العنصرين الاولين، ووضعها كل امكاناتها لترسيخ التجزئة وسوء توزيع الثروات.
ولكن هل يحق للصلعاء ان تتباهى بشعر بنت الجيران؟
هل يحق لنا ان نرقص في عرس فنزويلا؟
ربما ولكن بشرط واحد، هو ان نتعلم شيئا من تجربتهم، بل اشياء، تبدا بقدرة قيادات الوحدة والعدالة الاجتماعية واستقلالية الثروات ، أي بوضوح القوميين واليساريين على نشر وعي مواطنة ووطنية تتجاوز الانتماءات الفرعية من دينية ومذهبية واتنية وعشائرية ومناطقية. ومن ثم اجتذاب الجماهير الشعبية واكتساب اصواتها في صناديق اقتراع نظيفة، قائمة على المطالب الشعبية والقومية لا على هذه الانتماءات، وتنظيم هذه الجماهير الوطنية في قوى وتيارات واحزاب تمارس الصراع الفكري الحر والتحالفات الحرة التي لا يلغي فيها أي الاخر ولا يقصيه.
نعم لنا ان نرقص في عرس فنزويلا لان هذا العالم القميء بات ضائعا بين نيوليبرالية محطمة للدولة وللسيادة، للطبقتين المتوسطة والفقيرة، وبين بدائل قرسطوية تشفط الانسان الى عالم لاعقلاني ولاارادي، وتشرح المجتمعات لتجزئتها الى شرائح لا قدرة لها على تقرير مصائرها بوعي وخيار نقدي، ولا تسمح بتشكل المواطن ودولة المواطنة، امام هذه الثنائية القميئة بتنا بحاجة الى نموذج.

