ابعد من وليد جنبلاط نفسه، ابعد من لبنان فحسب، ابعد من حكومة سعد الحريري القادمة، واصطفافات متفقة على الشهر مختلفة على التاريخ بستة ايام فقط، تبدو التطورات المتواترة في المشهد السياسي اللبناني ايذانا ب ” شيء ما ” للمنطقة.
السياسيون اللبنانيون تداعو خلال الاسبوع الاخير الى التصريحات والتحليلات التي انطلقت من موقف وليد جنبلاط، لتقرا الوضع الاقليمي والعربي القادم. ولعل ابلغ تعبير استعمل، كان ما قاله وئام وهاب: انه ترجمة ل ” شيء ما ” للمنطقة.
شيء ما يراه البعض مرحلة مفاوضات وتسوية يريدها باراك اوباما، ويراه البعض حربا جديدة يريدها بنيامين نتنياهو.
غير ان التطورات المتداعية بالنسبة للساحة السورية تقرب الاحتمال الاول، وربما تجعل الاحتمال الثاني ورادا على نطاق محدود خدمة للاول.
وليد جنبلاط تصرف ببساطة – كما يتصرف دائما – كزعيم درزي، وكزعيم يحاول القراءة الاستشرافية لاتخاذ مواقف لا مكان فيها للعواطف. في المرة الاولى راى تسونامي جورج بوش قادما، واعتقد ان الالتحاق به سيخدمه ليقود الدروز اما في حال اعادة تشكيل خريطة المنطقة واما في حالة توزيع الادوار على الخريطة القائمة. وفي هذه المرة يرى ان انعطافة باراك اوباما شارفت على التحول الى مواقف، رغم تجديد العقوبات لسنة قادمة. ومن اهم بشائرها تحولات حلفاء اميركا الاوروبيين، حيث سيصل السفير الفرنسي الجديد اريك شفالييه الى دمشق في اواخر ايلول المقبل.
وفي كلا الحالين يعرف جنبلاط ان دور الدروز كان مهما، عبر التاريخ، لانه كان دائما دورا ابعد من حدود لبنان، منذ فخر الدين المعني الكبير الذي انطلق من حكم جبل لبنان الى قيادة سوريا الطبيعية كلها ( من صفد الى كيليكيا ) في مواجهة الامبراطورية العثمانية، الى سلطان باشا الاطرش الذي قاد الثورة السورية في وجه الفرنسيين، الى كمال جنبلاط الذي عرف كيف يضيف الى الامتداد الجغرافي امتدادا اخر ايديولوجيا، ابعاده ابعاد اليسار العالمي.
لذا فان وليد جنبلاط، ومعه الاسماء المعروفة ( من المعارضة ) مثل طلال ارسلان ووئام وهاب والاسماء غير الظاهرة للمشايخ والزعماء في لبنان وسوريا وفلسطين، يدركون ان العودة الى الطرح القومي واليساري،والى سوريا تحديدا، هي السبيل الوحيد للحفاظ على دور في المرحلة القادمة التي يهيا لها شيء ما، بل كي لا ” يروحوا دعس ” كما قال لصحيفة السفير قبل ايام.
هذا الشيء، اذا ما كان الحرب، يعلن جنبلاط انه سيقف فيها الى جانب حزب الله والمقاومة، واذا ما كان المفاوضات، فانه يذكر باتفاقية 17 ايار مما يعني ضمنا التذكير بان ذهاب لبنان الى اي مسار منفصل من شانه الفشل والخسارة، واذا ما كان تعديلا في الوضع الاقليمي فانه يعلن عدم تخليه عن سعد الحريري مراعاة لمعرفته بحرص الملك عبد الله على انجاحه، وبناءا على طلب واضح نقله اليه الوزير خوجة. مما يعني دعم مصالحة سعودية – سورية.
الخاسر الاكبر في العملية سيكون مسيحيي 14 اذار، وهذا ما استشرفه امين الجميل، فطرح امر مصالحته مع سوريا مع سليمان فرنجيه ومع وئام وهاب، ولن يكون امام سمير جعجع الا ان يستغفر سليمان فرنجيه ليبقي على وجود ما له.
بهذا سيعود النفوذ السوري الى لبنان اقوى مما كان وفي ظل التحالف التقليدي بين دمشق والرياض، في حين تخرج مصر بخسارة جديدة.
فلم ستجير عاصمة الامويين موقعها الجديد؟
لصالح مساومة مع الاميركيين على شيء ما للعراق؟ ام ان المساومة على موقف ما في العراق قد انتهت وما هذا الموقع الا ثمنا لها؟ اهو سيناريو الواحد وتسعين يتكرر؟ ام ان المعادلة مختلفة لان اميركا اليوم مختلفة؟
ام لصالح خطوات ما في العملية السلمية، لا يبدو انها ستؤدي الى شيء واقعي في القريب العاجل، اللهم الا خطوات تطبيعية تصب في صالح النجاح الاميركي؟ وفي هذه الحال ماذا سيكون مصير المقاومة اللبنانية، حتى ولو اعلن جنبلاط انه سيقف الى جانبها معنويا وماديا في حال العدوان الاسرائيلي؟

