رغم كل شيء، نحن في فلسطين مازلنا نعرف ان نحب !
هكذا وبهذه العبارة البسيطة المشبعة بالدلالة استطاع وسام جبران ان يلامس قلوب جمهور معهد العالم العربي، كما يلامس، هو واخواه اوتار العود الذي يفخرون بان واحدا منهم هوالذي يصنعه.
كانت تلك الامسية الفلسطينية الموسيقية قبل اسبوعين، لكنني تذكرتها اليوم وانا اتابع منذ الصباح احداث تفجيرات لندن.
انظر الى المشاهد على شاشة التلفزيون فتستفز حسي الانساني، وتنتزع من داخلي صرخة غاضبة: ما ذنب هؤلاء الابرياء؟ لكن صرخة اخرى لا تلبث وان تتقاطع معها: والمشاهد التي رضعناها مع (قنينة) الحليب ويرضعها اولادنا واحفادنا الصغار كل يوم على امتداد ساحاتنا العربية افلا تستفز حسا انسانيا مضافا الى الحس الوطني؟ ذاك الدم المهدور هناك اوليس دمنا الذي نذر للموت قبل ان يسري في عروقي؟
وهذه البريطانيا العظمى الم تكن ابرز من شرع اهداره، من فلسطين الى العراق ؟
في الاولى لم تتوقف الماساة ولو لمجرد استراحة منذ بداية القرن وفي العراق انتصرت ثورة العشرين وسارت حتى التاميم فثارت لها حرب التدمير فالابادة والاجهاز.
ملايين الاطفال والنساء والشيوخ، مساحات من الكرامات المسحوقة والارادات المذلة والانسانيات المصادرة.
كيف لاتذكرني بها مشاهد تفجيرات لندن؟ كيف لا تذكرني معها بغطرسة توني بلير التي تجعله يزايد على توامه الاكبر جورج بوش؟
اكرههم هذين الرجلين واكره ما يمثلان، لا لانني مطبوعة على الكراهية، بل لانني مطبوعة على المحبة والتسامح.
اكرههما لانهما في لحظة من مرارة يجعلانني اخرج من انسانيتي ومن تسامحي ومن محبتي لكل ما هو حق وخير وجمال !
اكرههما لانهما يجبرانني على ان اكره !
اعرف ان التحليل السياسي قد يقود الى اسئلة اخرى: هل ما حصل في مصلحتنا ام لا؟ وهل هذا الارهاب العالمي هو صنيعتنا ام صنيعة السياسة الاميركية البريطانية الاسرائيلية؟ وهل يجوز ان تنفد عمليات في وسط شوارع ضجت يوما باكبر مظاهرة منذ الحرب العالمية الثانية، احتجاجا على الحرب على العراق؟
لكن الحرب حصلت ومستقبلنا كله دمر، وتوني بلير اعيد انتخابه، وضحكته التكشيرة، وخطابه الارعن المتعالي ظلا يتحديان اخر نبض انساني ووطني فينا، بل ويتحديان بشكل بالغ الغطرسة اوروبا التي لم تكن مثله متحمسة للحرب علينا.
تحد بلغ حد جعل مسالة اختيار موقع الالعاب الاولمبية، مكافاة لبلير وعقوبة لشيراك.
هل كانت احداث الامس عقوبة من طرف اخر لبلير؟ ام انها ستكون حجة بيده لتنفيد سياسات اكثر ايذاء وتشددا؟
هل ستكون نتائجها كخيرات 11 سبتمبر على اميركا جورج بوش، ام كانعاكاسات احداث مدريد على اسبانيا رودريغز؟
لماذا بات كل انعطاف سياسي يحتاج الى هذا الكم من الموت ومن الحقد؟
كم لنا الحق في ان نحقد على من يجعلنا نحقد !
في ان نكره من لم يترك للناس فرصة عزاء الا عزاء الانتقام ! عزاء لا يلبث ان يتبدى منقوصا لاننا نحن العرب، ما زلنا رغم كل شيء قادرين على ان نحب، ان نحافظ على انسانيتنا، كما قال لجمهور باريس ذلك الموسيقي الشاب الذي ولد بعد كل الاحتلالات في فلسطين.

