التاريخ هو كل شيء الا الالجمود ، يقول المؤرخ الفرنسي الشهير جان بول بلاد ، غير ان ما لم يقله هو ان الجغرافية هي الثابت وان لم تكن الجمود. دون ان يكون في ذلك تهمة لاحدهما او مديح للاخر ، لان تلك طبيعة الحياة على هذه الكرة ، ولان زواج حركته الدائمة بثباتها هو الذي ينجب المجتمعات ويحدد مراحل تكونها وملامحه.
بعيدا عن الدخول في النقاش الذي اندلع من بيروت الى البصرة ومن حلب الى فلسطين حول مسالة الهلال الشيعي ، وبعيدا عن كل الاصطفافات والاشكال الجغرافية التي يمكن ان تنشا افتعالا في هذه المنطقة ، من مثلثات وشرائط ومناطق وجيوب ، الى ما غير ذلك من بدع التشريح والتقسيم ، تظل البديهية البسيطة التي بات الوصول الى الايمان بها من اصعب التحيات ، ان واقعنا الهلالي هو واقع الهلال الخصيب ، الذي اكلما ابتعدنا عنه او بنينا سياساتنا على انكاره النعامي ، كلما برزت الاشكال الجغرافية المنغولية والمشلولة والمعوقة والمجرمة.
غير ان معنى الهلال الخصيب هنا لا يقتصر ابدا على معناه الجغرافي ، المنطرح ارضا ، بل على المعنى الاجتماعي الذي تدب فيه الحياة الاكثر عمقا. معنى اننا اذا لم ننتمي الى جغرافيتنا والى تاريخنا اللذين يوحدان اتنايتنا وادياننا – كما هو حال كل مجتمعات العالم المتحضرة- كان قدر التشظي الى هذه الاتنيات والمذاهب، هو المحتوم الذي ينتظرنا على طريق الموت والاندثار.
لسنا الامة الوحيدة في العالم القائمة على التعددية ، واذا كانت عناصر تعدديتنا اكثر عددا فذاك لسبب تاريخي بسيط هو اننا الاقدم تكونا ،ولسبب جغرافي ابسط هو ان موقعنا جعل من ارضنا ممرا ومستقرا لكل الاجناس البشرية ، ونصيبنا من السماء ان الاديان قد نزلت في ارضنا فانتمى كل منا الى احدها ، وان هذه الاديان قد تشظت بدورها الى مذاهب.
تعددية كهذه ، كان من المفترض ، بمنطق علم الاجتماع ان تؤدي الى اثراء استثنائي على الصعيد الحضاري ، وهذا ما شهدت به مراحل تاريخنا الزاهرة ، لكنها وللاسف تتحول ، في مراحل الانحطاط، الى مصدر كراهيات وافقار وموت ودمار .
لا يحتاج الامر لكثير من الفلسفة ، لنقول اننا ان لم نعرف كيف نكون” كل ” تحولنا الى اجزاء. اذا لم نعرف ان نكون شعبا تحولنا الى طوائف ومذاهب واتنيات ، وعدنا بذلك الى مرحلة ما قبل تشكل المجتمع وما قبل تشكل الدولة، وعندها لن يكون مهما اذا ما كنا تحت الاحتلال او ” مستقلين” لان وجودنا كله سيكون اشبه بالحرية التي تحققت للعراق ، وبالسعادة التي يتغنى جورج بوش بانه جاء بها للعراقيين مع ديك عيد الشكر ، السعادة البهيجة التي نراها كل يوم على شاشات التلفزيون وصفحات الجرائد.
ان لم نعي باننا ننتمي الى هلال خصيب ، انتماءا جغرافيا تاريخيا اجتماعيا لا مكان فيه للانتماءات الاخرى التجزيئية ، كان لا مفر لنا من الانتماء الى قطار الموت ، لافرق اية قاطرة من قاطراته استقل كل منا.

