واجب ونظام كلمتان، قيمتان، تختصران نجاح او فشل، تخلف او تطور، سبات او نهوض امة.
من منا لم يشعر بالدهشة ازاء قدرة المانيا على النهوض من الدمار، مرة اثر مرة، على تحويل الانقاض الى منجزات، على العودة الى تصدر قافلة اوروبا، بعد كل مرة تدفع فيها الى الخلف، على تحقيق الوحدة كلما حاولت قوى منتصرة ان تجزئها وتحمي تلك التجزئة بجدار مكهرب مميت؟
لكن اشارات، صغيرة، تعبير رمزي، يقدم لك احيانا تفسيرا لحالة تدهش لها.
دعوة لزيارة تستغرق اسبوعا وبرنامج مكتوب يعطى لك مع البطاقة منذ لحظة مغادرتك مطار عمان، وحتى لحظة مغادرتك مطار فرانكفورت، الوقت محسوب بالدقيقة.. من الثامنة صباحا، وحتى الثامنة مساء، لا تضيع بين الموعد والموعد دقيقة واحدة، باستثناء استراحة ساعتين للغداء، بنود البرنامج محسوبة بالدقائق، والعناوين والاسماء محددة بادق التفاصيل: حتى اسم السائق، والمترجم، والمنسق، مع عناوينهم وهواتفهم العادية، والنقالة. وامام كل موعد لزيارة مؤسسة تحديد وقت الزيارة، وارقام هواتفها وفاكساتها.
حتى واسطة النقل من موقع الى آخر: سيارة ام سفينة ام قطار ام طائرة.
لا دقيقة تضيع، ولا خطوة ترتجل وبذلك يتحقق ثمانية وثلاثون موعدا خلال السبوع، وتتحقق اكبر فائدة ممكنة للمضيف وللضيف، من الدعوة.
المقصود بهذا الاستعراض كله، تأكيد احترام هذا الشعب لقيمة اسمها الوقت، لقيمة اسمها النظام والتنظيم، ولاحترام كل طرف لواجبه في الانجاز.
احترام، لم يكن له لولاه، ان يعيد بناء نفسه كقوة عظمى قبل الحرب العالمية الاولى، بين الاولى والثانية، وبعد الثانية..
لم يكن له ان يحقق وحدته مرة في ظل بيسمارك ومرة في ظل كول.
احترام.. لو كان لدينا مثله، لامكن لنا ان نجري المقارنة بين حالنا وحاله، دون كل هذه المرارة.
فالوقت لدينا انهار لا مجرى لها، ولا مآل، وآخر ما نهتم له في تنظيم امورنا، بل في ارتجالها، والنظام لا نعرفه الا امام الافران، والواجب نكتة، تتلبس الجدية فقط، لتزيين الخطابات.
مرارة الصدفة، ان تاريخ هزيمتنا الاولى، وانتصار مشرط سايكس بيكو، ونير بلفور، هو ذاته تاريخ هزيمة المانيا الاولى، ورزوحها تحت نير معاهدة فرساي، وان ما بين ذلك وبين هزيمتنا الثانية الكبرى، وتشريع الكيان السرطاني على ارضنا، نهوض لالمانيا جعلها تستعيد الموقع الاول في اوروبا، وتشعل حربا عالمية ثانية وتنهزم، وتقسم من جديد، وتقطع دورتها الدموية بجدار يفصل بين احتلالين..
جدار، كان يهدم لتعود الدماء الى جرياتها، وتعود الامة الكبيرة الى وحدتها، بينما نحن نستسلم لجميع الجدران الفاصلة، ولجدار فولاذي جديد يطوق العراق، وآخر مستقبلي نوقع على خريطته في اوسلو وها هي احدى امر تجلياته، ما نسمعه اليوم عن جدار مقترح على صدر القدس.
ليس من باب جلد الذات، هذه المقارنة، لا ولا من باب تكريس عقدة امتهان لها، واكبار للآخر، بل من باب محاولة وضع اليد على عناصر القوة، وعناصر الضعف.. عناصر البناء وعناصر الهدم، عناصر النهوض وعناصر الاستسلام.
واذا ما اضفنا، ملاحظة تاريخية، وهي ان اول برلمان، واول دستور، قد تشكلا في المانيا منذ القرن السابع عشر، وبمبادرة شعبية بحتة، هي اشبه بالثورة، لخلصنا الى ان القيمة الثالثة، في مكونات القوة الالمانية، وقوة جميع الامم، هي هذا الوعي الجميل الملتهب للحرية.

