في جنيف ومع كلينتون، عمد الرئيس السوري الى نهج حواري، اعاد الى الذهن حوارا آخر له مع فرانسوا ميتران، وفي ظرف مشابه.
انباء جنيف تحدثت عن لجوء الاسد الى مواجهة كلينتون بعرض لتاريخ المنطقة.
وفي اول لقاء له مع ميتران، بعد انتخاب هذا الاخير رئيسا، وبعد اتفاقية كامب ديفيد، بادر الرئيس السوري ضيفه، بعد الترحيب والشكليات، بالحديث عن اكتشاف الواح ايبلا، بناء على كون الرئيس الفرنسي من ذلك النوع من رجال الدولة الذين يؤسسون السياسي على الثقافي. حدثه عن تاريخ هذه الالواح »ثلاثة قرون قبل المسيح« اهميتها العائدة الى كمها ومضمونها، ليصل الى نقطة بالغة الاهمية وهي تضمن هذه الالواح لنص كامل لاسفار التوراة يسبق توراة اليهود باكثر من قرن.
ولم يكن للرئيس الفرنسي الذي يعتبر نفسه من السياسيين الذين يؤسسون السياسي على الثقافي الا وان يبدي اهتمامه بالحديث، ليضيف الاسد:
الجانب المهم في هذا النص هو ورود تسمية »اسرائيل«، في حين يدعي اليهود ان هذه التسمية قد اطلقت عليهم هم لاول مرة عندما نزلت على موسى.
ورد ميتران مرغما: هذه معلومة خطيرة من شأنها ان تخلق اشكالا لدى المسيحيين والمسلمين، ايضا.
فاردف الاسد:
الاشكال الديني، يتكفل بحله رجال الدين. لكن الم تقل سيادتك بان صديقك بيغن »وكان يومها رئيسا لوزراء اسرائيل« يبني حقا دولته في ارضنا، على ما تقوله التوراة؟
وبناء عليه يرفض الانسحاب من الاراضي المحتلة؟
كتاب يوميات الاليزيه »لجاك اتالي« الذي اورد الحوار بالحرف، وضع في السطر التالي شرطه الجواب الميتراني، وبعدها ثلاث نقاط على السطر.
قبل ان يتلقف الاسد حرج محاوره، فيستأنف الكلام منتقلا الى الحوار السياسي.
براعة الحوار، تمثلت هنا في اكثر من ضربة فكرية سيكولوجية.
اولاها الانطلاق من ارضيتين تشكلان قاعدة الآخر: العدو والمحاور فاسرائيل تبني كل ادعائها الحق على التوراة، التي تدعيها كتاب اله اسرائيل، الذي لا يعني سائر البشر الغوييم، لانه اله خاص بشعب مختار. وبناء عليه وهبه ارضا موعودة، هي جوهر الصراع.
فكيف اذن يكون هذا الكتاب قد عرف لدى شعوب اخرى وقبل اكثر من الف سنة واستعمل نفس التسمية »اسرائيل«؟
واما المحاور، فهو من جهة رجل معروف عنه ايمانه واعجابه بالتوراة، وصداقته لاسرائيل ولليهود، لكنه من جانب آخر رجل بنى وضعه السياسي، على ادعاء الثقافة والمبادىء والعدالة. والاهتمام بالحضارة الانسانية.
فكيف يضع هذه كلها جانبا، ليدافع عن اصدقائه، وقد تم نسف الاساس الحقوقي الذي يستندون اليه؟
انها ولا شك، براعة اللعب التي تمكنك من نسف الارضية التي يقف عليها منافسك قبل بدء اللعبة.. وهذا ما يتقنه تماما ضابط طيار.
لكنها ايضا امر ابعد من ذلك، امر يكمن في وعي السند الحقوقي الفولاذي الذي يملكه كل مفاوض عربي ازاء اسرائيل، ووعي الثروة الهائلة التي يختزنها تاريخنا في وقائعه، في وثائقه، وفي كل شواهده. ثروة تجعل التاريخ، وفدا مفاوضا اضافيا يرافق كل وفد مفاوض، ويسند ظهره.
لكن… شرط ان نكون نحن انفسنا واعين لهذا التاريخ، مؤمنين به وبانفسنا.
وشرط ان لا نكون مصابين بقصر نظر مزمن، يجعلنا لا نرى من التاريخ الا محطات تبدأ مما بعد عبور اليهود ومجيئهم.
محطات تفتقر الى عنصرين اساسيين: البدء مع التاريخ من بداية قصته التي تمنحنا امتدادا كفيلا بنقض كل الادعاءات واستمرارية تتكفل هي ايضا باثبات الحق.
وشرط اخير ان نحرر عقولنا من عقد تدفعنا الى العمى عن كنز يتلألأ في مرحلة نظن خطأ انها تتناقض مع الدين.

