صباحا كان شارون يدعو الى تدمير البنية التحتية اللبنانية، بحيث يحرم كل مواطن لبناني من الماء والكهرباء.. وحتى مشاهدة التلفزيون، مما يجبر الحكومة اللبنانية على ان تضع بنفسها حدا لعمليات حزب الله.
بعد اقل من ساعة كان باراك يصرح بانه يحضر وجنرالاته عملية رد واسع النطاق على عمليات حزب الله.
وقبل يومين كانت محاولة الانتقام من احدى قيادات حزب الله، وفشلت.
الامر في شكل اخراجه، تواتر اسلوبين: اسلوب باراكي، شعاره الدائم: »العمل خلف خطوط العدو« وبعمليات الوحدات الخاصة: اسلوب »سيريت ميتكال«، المطبق منذ فردان، الى قضاء صيدا، مرورا بتونس وسواها. واسلوب شاروني، لا يستوحي الا سفر يشوع، وعمليات الابادة الجماعية »ابسلوا كل نسمة حية فيها«.
غير ان المعزوفة الاسرائيلية، تتكون النغمي معا، ومن سواهما، لتشكل السمفونية الصهيونية اليهودية، التي ينتظم الجميع ضمن ادائها، عندما يكون المحرض اي حدث خارجي، يمس مصلحة اسرائيل. (وقد رأينا ذلك الاجماع الواضح من اقصى اليمين الى اقصى اليسار ازاء موضوع النمسا).
ليست هذه المرة الاولى التي تغير فيها اسرائيل على البنية التحتية اللبنانية، كما انها ليست المرة الاولى التي تنفذ فيها عمليات انتقام عبر الاغتيال الفردي.
وليس من باب التكهن، او الذكاء السياسي، القول بان ضرب لبنان، هو ضرب سوريا، على اليد التي توجعها، كما يقول المثل الشعبي. في تصعيد لعمليات الضغط، في مرحلة توقف المفاوضات، بسبب عدم الامتثال السوري، بما يكفي.. ولكل ما هو مطلوب.
لكن مما لا شك فيه ايضا، ان جنوب لبنان، ليس فقط اليد التي توجه بصفتها مفعولا به يتلقى الضرب، بل هو اليد التي توجع اذ تضرب، اليد التي ما تزال وحدها فاعلا مرفوعا مستعصيا على حروف الجر.
ولان اسرائيل موجوعة، ربما كما لم توجع يوما، الا خلال الانتفاضة الفلسطينية، فانها تريد الانسحاب من لبنان، لكن الذهنية الاسرائيلية، وريثة »علي وعلى اعدائي« تلك التي لا يمكن ان تنسحب، حتى ولو تنفيذا لقرار سياسي، دون ان تدمر الهيكل على رؤوس اهله، دون ان تنتقم، ومن جميع اللبنانيين، انتقاما يساوي القتلى الالف وخمسمئة الذين اعترفت بانها خسرتهم هناك.
واذا كان لا يمكن لاحدنا ان يتوقع التدمير دون الم، خاصة اذا كان يعرف ما معنى انقطاع الماء والكهرباء من جديد، عن انسان عاش ذلك لمدة سبعة عشر عاما. فعوض نفسه بالمولدات، والغالونات.. وتعلم ان يشغل التلفاز والثلاجة على بطاريات السيارة.
لكن الذي يعرف الحالة اللبنانية، يعرف ان كل هذا العذاب، لم يكسر روح الانسان، حتى وهو يغوص في حرب قذرة، تضع الاخ في وجه اخيه.. ويومها كان ثمة من يقول ان استقصاء الروح هذا، عائد الى حس الحرية، فحتى معاركه القذرة، وحتى موته، هما من اختياره.. هذه الحرية التي استطاع رغم كل شيء ان يحافظ على تجليها السياسي المتمثل في الديمقراطية، رغم التراجع الذي اصاب هذه الاخيرة.. (لكننا ما زلنا في حالة تجعلنا نرى رئيس الدولة يقدم كشفا بحساب املاكه، للحكومة، ضمن حملة المحاسبة الاصلاحية).
فكيف يكون الحال اذن اذا ما كانت ممادرسة هذه الحرية، تصديا بطوليا لعدو محتل، نصف لبنان كان يدرك حجم عدائه منذ البداية، ونصفه الآخر اكتشف هذا العداء بالتجربة، منذ عام ،1982 ودخول الجيش »الحليف« الى المناطق الشرقية »المتعاونة«.
لذلك لم يبق في لبنان من يتردد في المقاومة، الا جيش لبنان الجنوبي، ليس فقط لانه غرق في الرمال المتحركة للخيانة، وانما لان اية ابواب اخرى قد سدت في وجهه.
لكل هذا، يريد »بطل« صبرا وشاتيلا ان يعاقب اللبنانيين جميعا، ولن يتلكأ، »بطل« فردان عن تنفيذ العقاب بكل اشكاله اليهوية، اليوشعية.
لكن اي انتقام، لن يلغي كونه صرخة وجع من الجانب الاسرائيلي، الذي اعتاد ان يوجع ويتفرج..
ولن يلغي، ان هذه الصرخة هي غطاء لانسحاب اضطراري.

